الشيخ محمد رشيد رضا
494
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والقوى العقلية والعضلية ، وفي المعارف والاعمال الكسبية ، فالتفاوت بين أفراد البشر عظيم جدا لا يشبههم فيه نوع آخر من أنواع المخلوقات في عالم الشهادة ، ولو فرضنا التساوي بينهم في ذلك فهل يمنع ان يختص الخالق الحكيم من شاء منهم بما هو فوق المعهود في الغرائز والمكتسب بالتعلم ؟ كلا انه تعالى قادر على ذلك وقد اقتضته حكمته ومشيئته ، ونفذت به قدرته ، وقد تقدم رد هذه الشبهة في أوائل سورة الأنعام « 1 » * * * ( فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ ) فكذبوه وأصر على ذلك جمهورهم فأنجيناه من الغرق والذين سلكهم معه في الفلك من المؤمنين به ( وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ) كما قال تعالى في قصته المفصلة في سورة هود - أو المعنى أنجيناه وأنجيناهم حال كونهم معه في الفلك أي السفينة ( وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ ) أي وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا بالطوفان بسبب تكذيبهم ، ولماذا كذبوا ؟ انهم ما كذبوا الا لعمى في بصائرهم حال دون اعتبارهم وفهمهم لدلالة تلك الآيات على توحيد اللّه وقدرته على ارسال الرسل وحكمة ربوبيته في ذلك ، وعمون جمع عم ، وهو ذو العمى ، وأصله عمي بوزن كتف . وقيل إنه خاص بعمى القلب والبصيرة ، والأعمى يطلق على الفاقد لكل منهما . قال زهير : وأعلم علم اليوم والأمس قبله * ولكنني عن علم ما في غد عم * * * ( 64 ) وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 65 ) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 66 ) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 67 ) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ ( 68 ) أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ ؟ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً ، فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ
--> ( 1 ) يراجع ص 312 - 320 من تفسير الجزء السابع