الشيخ محمد رشيد رضا
492
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لما نقترفه من الذنوب التي تبعدنا عن ذلك المقام الاقدس بغير شفيع ولا وسيط من أوليائه وأحبائه . حكموا بضلاله وأكدوه بالتعبير بالرؤية العلمية وبان واللام وبالظرفية المفيدة للإحاطة ، كأنهم قالوا انا لنراك في غمرة من الضلال محيطة بك لا تهتدي معها إلى الصواب سبيلا . وذلك لما رأوه عليه من الثقة بما يدعو اليه * * * ( قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ) ناداهم باسم القومية مضافة اليه ثانية تذكيرا لهم بأنه لا يريد بهم ولا لهم الا الخير ، ونفى أن يكون قد علق به أدنى شيء مما يسمى ضلالة ، كما أفاد التنكير في سياق النفي ، والتعبير بالمرة الواحدة أو الفعلة الواحدة من الضلال ، فبالغ في النفي كما بالغوا في الاثبات ، وفي تقديم الظرف « بي » تعريض بضلالهم ، ثم قفى على نفي الضلالة عنه باثبات مقابلها له في ضمن تبليغ دعوى الرسالة التي تقتضي أن يكون على الحق والهدى فقال ( وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ) أي لست بمنجاة من الضلال الذي أنتم فيه فقط بل أنا رسول من رب العالمين إليكم ليهديكم باتباعي سبيل الرشاد ، وينقذكم على يدي من الهلاك الأبدي بالشرك وما يلزمه من الخرافات والمعاصي المدنسة للأنفس المفسدة للأرواح . والقدوة في الهدى ، لا يمكن أن يكون ضالا فيما به أتى ، ومن آثار رحمة الربوبية أن لا يدعكم على شرككم الذي ابتدعتموه بجهلكم ، حتى يبين لكم الحق من الباطل . ثم بين موضوع الرسالة بأسلوب الاستئناف الذي يقتضيه المقام وهو ما تتوجه اليه الأنفس من السؤال عما جاء به بدعواه من عند اللّه . فقال : * * * ( أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي ) أأبو عمرو « أُبَلِّغُكُمْ » بالتخفيف من الابلاغ والباقون بالتشديد المفيد من التبليغ للتدريج والتكرار المناسب لجمع الرسالة باعتبار متعلقها وموضوعها وهو متعدد : منه العقائد وأهمها التوحيد المطلق الذي بدأ به ، ويتلوه الايمان باليوم الآخر وبالوحي والرسالة وبالملائكة والجنة والنار وغير ذلك ( ومنه ) الآداب والحكم والمواعظ والاحكام العملية من عبادات ومعاملات ، ولو آمنوا به وأطاعوه لما كان لهم بد من كل ذلك ( وَأَنْصَحُ لَكُمْ ) قال الراغب النصح تحري فعل أو قول فيه صلاح صاحبه . . وهو من قولهم : نصحت لكم الود أي أخلصته ، وناصح العسل خالصه ، أو من قولهم نصحت الجلد خطته ، والناصح الخياط ، والنصاح ( ككتاب