الشيخ محمد رشيد رضا
488
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
شديدة كان مداها أبعد ، وأقل حركة في الهواء تريك كيف يعدل الجو ما يمكنك أن تختبره في حجرتك إذا فتحت نافذة فيها وأخذت شمعة أو ذبالة - فتيلة - موقدة فوضعتها في أعلى النافذة مرة وفي أسفلها أخرى فإنك ترى النور في أسفلها مائلا نحوك وفي أعلاها مائلا عنك إلى خارج الحجرة لان الهواء الحار الذي في الحجرة هو الخفيف فيخرج من أعلاها ويدخل بدله هواء الجو الذي هو أبرد من هواء الحجرة في أكثر الأوقات . وإنما يكون الهواء الخارجي أشد حرارة من هواء البيوت في أوقات هبوب الريح السموم . وبهذه القاعدة يعرف سبب اختلاف النسيم وهبوب الريح في سواحل البلاد الحارة تارة من البر كوقت الليل وتارة من البحر وأكثره في النهار وذلك أن الماء أقل تأثرا بحرارة الشمس من الأرض ولا سيما الرملية والحجرية . هذا وإن للرياح في اتجاهها بين خط الاستواء والقطب جنوبا وشمالا وفيما بينهما شرقا وغربا أسبابا معروفة كما أن لقوة الرياح في البحار والأقطار أوقاتا تختلف باختلاف مواقعها من الأرض كالرياح الموسمية التي تشتد في فصل الصيف في المحيط الهندي حيث تكون البحار الشمالية وكذا البحر المتوسط رهوا أو معتدلة الاضطراب تبعا لسكون الريح واعتدالها وجملة القول أن أسباب حركة الهواء وهبوب الرياح وكون أصل المنتظم منها أربعا ومنه ما يسمونه الرياح التجارية المواتية والمضادة أو العكسية والرياح الموسمية - كل تلك الأسباب - معروفة للبشر في الجملة تبعا لعلمهم بسنن اللّه في الحرارة والبرودة وبهيئة الأرض وحركتها وفصولها ولكن هذا العلم إجمالي فلا يعلم أحد من البشر متى تهب الريح في بلاده ومتى تسكن ومتى يشتد الحر في أيام شهور الصيف والبرد في أيام شهور الشتاء بالنسبة إلى سائر الأيام ومن أعظم فوائد الرياح نقلها لمادة اللقاح من ذكور النبات إلى إناثه . فان من الشجر ما هو ذكر ومنها ما هو أنثى كالنخل فوظيفة الأول تلقيح الآخر وهذا انما يثمر بتلقيح ذاك له ولا يثمر بغير تلقيح ، وإذا أجيد التلقيح كان سببا لجودة الثمر والا فلا . ومنها ما تشتمل كل شجرة منه على أعضاء الذكورة الملقحة وأعضاء الأنوثة المثمرة ، والرياح تنقل اللقاح فيما لا تتصل ذكوره باناثه نقلا تاما أو ناقصا ، قال اللّه تعالى ( وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ ) ولما نزلت هذه الآية لم يكن أحد من الناس يعلم هذه الحقيقة فيما يظهر حتى الذين كانوا يلقحون النخل بأيديهم إذ لم ينقل ذلك عن أحد منهم ، ولذلك جعل بعض المفسرين اللقح هنا مجازيا بتشبيه تأثير الرياح في السحاب ذلك التأثير الذي يتولد منه المطر بتأثير اللقاح في الحيوان وكونه سببا للحمل والنتاج