الشيخ محمد رشيد رضا

489

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وأما منافع الرياح في احداث المطر فقد سبق بيانه في تفسير الآية التي جعلنا هذا الاستطراد متمماله بتفسيرها ببيان نعم اللّه على الخلق بها ، والمطر هو الأصل لمياه الأنهار والينابيع والآبار كما قال تعالى ( أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ) والماء مركب من عنصري الأكسجين والادرجين ، ويخالط ماء المطر منه وهو أنقاه بعض ما يحمله الهواء من العناصر ومن المواد المنفصلة من الأرض وعوالمها ، ومياه الأرض يخالطها كثير من موادها وبعضها ضار في الشرب وبعضها نافع ، ولذلك يفضل بعض المياه بعضا حتى إن بعضها ينقل في القوارير من قطر إلى أقطار أخرى ويباع فيها غالي الثمن للشرب ، وما يضر شربه للري والتحليل قد ينفع لغير الشرب ومنها المياه المعدنية المسهلة والنافعة لبعض الأمراض دون بعض وخلاصة القول أن الهواء والماء ، هما الأصلان لحياة جميع الاحياء وللحرارة والنور فيهما ، وسنن اللّه تعالى في حركتهما وانتقالهما ما علمت ، فهذه الأشياء ( الهواء والماء والنور والحرارة ) أثمن من الذهب والفضة والجواهر الكريمة كلها ، وكان من رحمة اللّه تعالى أن جعلها عامة مبذولة لا يمكن احتكارها ، وانما ذكرنا من منافعها ما يسهل على كل قارىء للمنار أن يفهمه والا فان لها من المنافع والفوائد ما لا يعرفه الا أساطين علماء الكيمياء والطبيعة ، وهم لا يزالون يزدادون بها علما ، وهذا مصداق لقوله تعالى ( وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) * * * ( 58 ) لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 59 ) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 60 ) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 61 ) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 62 ) أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 63 ) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ