الشيخ محمد رشيد رضا

47

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هذا كلام القاضي وهو عجيب جدا وذلك لأنه يقال له يبعد منك أنك ما عرفت من مذاهب خصومك أنه ليس للعبد على اللّه حجة ولا استحقاق بوجه من الوجوه وأن كل ما يفعله الرب في العبد فهو حكمة وصواب وليس للعبد على ربه اعتراض ولا مناظرة فكيف يصير الانسان الذي هذا دينه واعتقاده خصما للّه تعالى ، أما الذين يكونون خصماء للّه فهم المعتزلة وتيره من وجوه ( الأول ) أنه يدعي عليه وجوب الثواب والعوض ويقول لو لم تعطني ذلك لخرجت عن الإلهية وصرت معزولا عن الربوبية وصرت من جملة السفهاء ( ! ! ) فهذا الذي مذهبه واعتقاده ذلك هو الخصم للّه تعالى ( والثاني ) أن من واظب على الكفر سبعين سنة ثم إنه في آخر زمن حياته قال لا إله الا اللّه محمد رسول اللّه عن القلب ثم مات ثم إن رب العالمين أعطاه النعم الفائقة والدرجات الزائدة ألف ألف سنة ثم أراد أن يقطع تلك النعم عنه لحظة واحدة فذلك العبد يقول : أيها الاله إياك ثم إياك أن تترك ذلك لحظة واحدة فإنك ان تركته لحظة واحدة صرت معزولا عن الإلهية والحاصل أن اقدام ذلك العبد على ذلك الايمان لحظة واحدة أوجب على الاله إيصال تلك النعم مدة لا آخر لها ولا طريق له البتة إلى الخلاص عن هذه العهدة فهذا هو الخصومة ، أما من يقول إنه لا حق لاحد من الملائكة والأنبياء على اللّه تعالى وكل ما يوصل إليهم من الثواب فهو تفضل واحسان من اللّه تعالى فهذ لا يكون خصما ( والوجه الثالث في تير هذه الخصومة ) ما حكي أن الشيخ أبا الحسن الأشعري لما فارق مجلس أستاذه أبي علي الجبائي وترك مذهبه وكثر اعتراضه على أقاويله عظمت الوحشة بينهما فاتفق أن يوما من الأيام عقد الجبائي مجلس التذكير وحضر عنده عالم من الناس وذهب الشيخ أبو الحسن إلى ذلك المجلس وجلس في بعض الجوانب مختفيا عن الجبائي وقال لبعض من حضر هناك من العجائز إني أعلمك مسئلة فاذكريها لهذا الشيخ ، قولي له كان لي ثلاثة من البنين واحد كان في غاية الدين والزهد والثاني كان في غاية الكفر والفسق ، والثالث كان صبيا لم يبلغ فماتوا على هذه الصفات فأخبرني أيها الشيخ عن حالهم ؟ فقال الجبائي أما الزاهد ففي درجات الجنة ، وأما الكافر ففي