الشيخ محمد رشيد رضا
48
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
دركات النار ، وأما الصبي فمن أهل السلامة ، قال قولي له لو أن الصبي أراد أن يذهب إلى تلك الدرجات العالية التي حصل فيها أخوه الزاهد هل يمكن منه ؟ فقال الجبائي لا لان اللّه يقول له انما وصل إلى تلك الدرجات العالية بسبب أنه أتعب نفسه في العلم والعمل وأنت فليس معك ذاك . فقال أبو الحسن قولي له لو أن الصبي حينئذ يقول يا رب العالمين ليس الذنب لي لأنك أمتني قبل البلوغ ولو أمهلتني فربما زدت على أخي الزاهد في الزهد والدين . فقال الجبائي يقول اللّه له علمت أنك لو عشت لطغيت وكفرت وكنت تستوجب النار فقيل أن تصل إلى تلك الحالة راعيت مصلحتك وأمتك حتى تنجو من العقاب ، فقال أبو الحسن قولي له لو أن الأخ الكافر الفاسق رفع رأسه من الدرك الأسفل من النار فقال يا رب العالمين ويا أحكم الحاكمين ويا أرحم الراحمين كما علمت من ذلك الأخ الصغير أنه لو بلغ كفر علمت مني ذلك فلم راعيت مصلحته وما راعيت مصلحتي ؟ قال الرازي فلما وصل الكلام إلى هذا الموضع انقطع الجبائي فلما نظر رأى أبا الحسن فعلم أن هذه المسئلة منه لا من العجوز « ثم إن أبا الحسن البصري جاء بعد أربعة أدوار أو أكثر من بعد الجبائي فأراد أن يجيب عن هذا السؤال فقال نحن لا نرضى في حق هؤلاء الاخوة الثلاثة بهذا الجواب الذي ذكرتم بل لنا ههنا جوابان آخران سوى ما ذكرتم ثم قال وهو مبني على مسألة اختلف شيوخنا فيها وهي أنه هل يجب على اللّه أن يكلف العبد أم لا ؟ فقال البصريون التكليف محض التفضل والاحسان وهو غير واجب على اللّه تعالى ، وقال البغداديون انه واجب على اللّه تعالى ، قال فان فرعنا على قول البصريين فلله تعالى أن يقول لذلك الصبي إني طولت عمر الأخ الزاهد وكلفته على سبيل التفضل ولم يلزم من كوني متفضلا على أخيك الزاهد بهذا الفضل أن أكون متفضلا عليك بمثله ، وأما إن فرعنا على قول البغداديين فالجواب أن يقال إن إطالة عمر أخيك وتوجيه التكليف عليه كان احسانا في حقه ولم يلزم منه عود مفسدة إلى الغير فلا جرم فعلته . وأما إطالة عمرك وتوجيه التكليف عليك كان يلزم منه عود مفسدة إلى غيرك فلهذا السبب ما فعلت ذلك في حقك فظهر الفرق . هذا تلخيص كلام أبى الحسين البصري سعيا منه في تخليص شيخه المتقدم عن سؤال الأشعري