الشيخ محمد رشيد رضا

46

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فأنت تجهل كثيرا ، وما أوتيت من العلم إلا قليلا ، وكثيرا ما تظن الجهل علما والشر خيرا وقد جاء ابن القيم بعد ذلك بتفسير إيجابي فقال : والتوفيق إرادة اللّه من نفسه أن يفعل بعبده ما يصلح به العبد بأن يجعله قادرا على فعل ما يرضيه مريدا له محبا له ، مؤثرا له على غيره ، ويبغض اليه ما يسخطه ويكرهه اليه ، وهذا مجرد فعله والعبد محل له . قال اللّه تعالى ( 49 : 7 وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ ، أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) فهو سبحانه عليم بمن يصلح لهذا الفضل ومن لا يصلح له حكيم يضعه في مواضعه وعند أهله ، لا يمنعه أهله ، ولا يضعه عند غير أهله - إلى آخر ما قال وأجاد . فصل في الرد على الجبرية والقدرية بسنن اللّه وآياته قد سبق لنا قول يب في الرد على الجبرية والقدرية باثبات سنن اللّه تعالى في تفسير ( 107 كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ص 669 ج 7 ) رددنا فيه على الفخر الرازي إمام هذه النزعة ، وفارس هذه الحلبة ، ثم إننا رأيناه قد عاد في تفسير هذه الآية إلى بسط القول في تلك المسألة ، والرد على المعتزلة ، فاستحسنا أن ننقل أقوى كلامه ونقفي عليه بقول وجيز فيه قال : « ولنختم تفسير هذه الآية بما روي عن محمد بن كعب الظي أنه قال تذاكرنا في امر القدرية عند ابن عمر فقال : لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا منهم نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا كان يوم القيامة نادى مناد وقد جمع الناس بحيث يسمع الكل أين خصماء اللّه فتقوم القدرية . وقد أورد القاضي هذا الحديث في تفسيره وقال هذا الحديث من أقوى ما يدل على أن القدرية هم الذين ينسبون افعال العباد إلى اللّه تعالى قضاء وقدرا وخلقا لان الذين يقولون هذا القول هم خصماء اللّه لأنهم يقولون للّه أي ذنب لنا حتى تعاقبنا وأنت الذي خلقته فينا وأردته منا وقضيته علينا ولم تخلقنا إلا له وما يسرت لنا غيره ؟ فهؤلاء لا بد وان يكونوا خصماء اللّه بسبب هذه الحجة ، أما الذين قالوا إن اللّه مكن وأزاح العلة وإنما أني العبد من قبل نفسه فكلامه موافق لما يعامل به من انزال العقوبة فلا يكونون خصماء اللّه بل يكونون منقادين للّه .