الشيخ محمد رشيد رضا
471
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ورد في الآحاد من حديث أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما ما يثبت بقاء عجب الذنب قال ( ص ) « ما بين النفختين أربعون . . . ويبلى كل شيء من الانسان الا عجب الذنب فيه يركب الخلق » هذا لفظ البخاري للمرفوع . وزاد مسلم بعد قوله أربعون « ثم ينزل اللّه من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ( قال ) وليس من الانسان شيء لا يبلى الا عظما واحدا وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة » وهو غير صريح فيما تقدم ولكن جاء في تفسيري الثعلبي وابن عطية عن أبي هريرة ان بين النفختين أربعين عاما يرسل اللّه فيها على الموتى مطرا كمنيّ الرجال من ماء تحت العرش يسمى ماء الحيوان فينبتون من قبورهم بذلك المطر كما ينبت الزرع من الماء ثم ينفخ فيهم الروح عند النفخة الثانية ، وهذا التفصيل لا يصح فيه شيء مرفوع عنه ولا عن غيره ويعارضه كون الأرض تصير بالنفخة الأولى كما يأتي يبا هباء منبثا وهذا قطعي وهو يعارض المرفوع أيضا فإن لم يمكن الجمع بينهما كان ذلك مطعنا في صحة الحديث وقد اختلف العلماء في حديث الشيخين نفسه فأخذ به الجمهور على اطلاقه واجماله وأول بعضهم كونه عجب الذنب لا يبلى بطول بقائه لا انه لا يفنى مطلقا . ذكره الحافظ في شرحه للحديث من الفتح . وفوض بعضهم معناه وسره إلى اللّه تعالى وخالف الامام المزني صاحب الشافعي فقال بفنائه كما قال صاحب الجوهرة عجب الذنب كالروح لكن صححا * المزني للبلى ورجحا وانما يقال لأهل العلم بالنبات وبالحياة النباتية والحيوانية : إنكم تقولون بأن الأرض كانت كرة نارية ملتهبة . وان الاحياء الأولى وجدت فيها بالتولد الذاتي الذي انقطع بعد ذلك بتسلسل الاحياء لان طبيعة الأرض لم تبق مستعدة له كما كانت وهي يبة العهد بالتكوين . وقد نطق الآن الحكيم بأن الأرض تفنى بتفرق مادتها . ثم يعيدها اللّه كما بدأها . قال تعالى ( 56 : 4 إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا 5 وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا 6 فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا ) فهذه الرجة هي التي سماها في سور أخرى بالقارعة والصاخة . والمعقول أن كوكبا يعها باصطدامه بها فتفتت جبالها وتكون كالهباء المتفرق في الجو وهو ما يسمونه بالسديم . وقال تعالى ( 21 : 103 كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ * 7 : 8 كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) والأشبه أن تشبيه الإعادة بالبدء إنما هو بالاجمال دون التفصيل . فكما خلق اللّه جسد الانسان الأول خلقا ذاتيا مبتدأ ثم نفخ فيه الروح - يخلق أجساد جميع