الشيخ محمد رشيد رضا
472
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أفراد الانسان خلقا ذاتيا معادا ثم ينفخ فيها أرواحها التي كانت بها أناسي في الحياة الدنيا ، لا أنه يجعلها متسلسلة بالتوالد من ذكر وأنثى كالنشأة الأولى ، إذ كانت الأجساد كاللباس للأرواح أو السكن لها ، وإذا كان الناس قد بلغوا من علم الكيمياء أن يحللوا بعض المواد المركبة من عناصر كثيرة ثم يركبوها ، أفيعجز خالق العالم كله أو يستبعد على قدرته أن يعيد أجساد ألوف الألوف مرة واحدة ؟ وأي فرق عنده بين القليل والكثير ، وهو على كل شيء قدير ؟ على أنه قد ثبت عند الروحيين من علماء الكون في هذا العصر وما قبله ان اللّه تعالى قد أعطى الأرواح المجردة قدرة على التصرف في مادة الكون بالتحليل والتركيب . وانها بذلك تركب لنفسها من هذه المادة جسما لطيفا أو كثيفا تحل فيه وهو ما يسميه علماؤنا بالتشكل في تفسير مجيء الملك جبريل النبي ( ص ) مرة بشكل اعرابي وأحيانا في صورة دحية الكلبي وتمثله للسيدة مريم بشرا سويا . وإذا كان الماديون لا يصدقون الروحانيين في هذا . فهم لا يستطيعون أن يقولوا إنه محال في نفسه . وانما قصارى انكارهم أن قالوا إنه لم يثبت عندنا . وإذا كان ممكنا غير محال أن يكون مما وهب الخالق للمخلوق أفيكون من المحال أن يفعله الخالق عز وجل من غير أن يجعل للأرواح فيه عملا ؟ ليس للكفار شبهة قوية على أصل البعث : وكل ما كان يستبعده المتقدمون من أخبار عالم الغيب قد به ترقي العلوم الطبيعية إلى العقول والافهام ، حتى قال بعض كبراء الغرب ليس في العالم شيء محال . ولكن للمتقدمين والمتأخرين شبهة على حشر الأجساد ترد على ظاهر قول جمهور المسلمين ان كل أحد يحشر بجسده الذي كان عليه في الدنيا أو عند الموت لكي يقع الجزاء بعده على البدن الذي اقترف الاعمال وتير هذا الايراد أن هذه الأجساد مركبة من العناصر المؤلفة منها مادة الكون كله وهي مشتركة يعرض لها التحليل والتركيب فتدخل الطائفة منها في عدة أبدان على التعاقب فمن الانسان والحيوان ما تأكله الحيتان أو الوحوش ومنها ما يحرق فيذهب بعض أجزائه في الهواء فيتصل كل بخاري - أو غازي - منها بجنسه كبخار الماء وعنصريه والكربون ، وينحل ما يدفن في الأرض فيها ثم يتغذى بكل منهما النبات الذي يأكل بعضه الناس والانعام فيكون جزءا من أجسادها ويأكل الناس من لحوم الحيتان والانعام التي تغذت من أجساد الناس بالذات أو بالواسطة ، فلا يخلص لشخص معين جسد خاص به ، بل ثبت أن الأجساد الحية