الشيخ محمد رشيد رضا

458

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وذلك أن لكل شيء حدا من تجاوزه كان معتديا ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) وشر أنواع الاعتداء في الدعاء التوجه فيه إلى غير اللّه ولو ليشفع له عنده ، لان الحنيف من يدعو اللّه تعالى وحده ، فلا يدعو معه غيره ، كما قال ( فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ) اي لا ملكا ولا نبيا ولا وليا . . . ومن دعا غير اللّه فيما يعجز هو وأمثاله عنه من طريق الأسباب كالشفاء من المرض بغير التداوي وتسخير قلوب الأعداء والانقاذ من النار ودخول الجنة وما أشبه ذلك من المنافع ودفع المضار - فقد اتخذه الها لان الاله هو المعبود ، و « الدعاء هو العبادة » كما قال الرسول ( ص ) فيما رواه أحمد وابن أبي شيبة وأصحاب السنن الأربعة وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن النعمان بن بشير وأبو يعلى عن البراء ( رض ) والمعنى أنه الركن الأعظم في العبادة على نحو « الحج عرفة » وفي معنى هذا التفسير حديث أنس عند الترمذي مرفوعا « الدعاء مخ العبادة » واسناده ضعيف يقويه تفسيره للصحيح وقد يفسرونه بالعبادة في جملتها دون أفرادها وقال تعالى ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ ، إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً ) جاء في روايات عن ابن عباس ( رض ) أن هذا نزل فيمن عبدوا الملائكة والمسيح وأمه وعزيرا والشمس والقمر ، أي كلهم عاجز عن دفع الضر أو تحويله عنكم ، ومعنى الآية الثانية أن أولئك الذين يدعونهم هم عبيد للّه يبتغون اليه الوسيلة والزلفى - أيهم أب - أي أبهم وأفضلهم كالملائكة والمسيح يعبد اللّه ويدعوه طلبا للوسيلة عنده ، ويرجون رحمته ويخافون عذابه ، فكيف يدعون معه أو من دونه ؟ وروى الترمذي وابن مردويه واللفظ له عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه ( ص ) « سلوا اللّه لي الوسيلة » قالوا وما الوسيلة ؟ قال « الب من اللّه عز وجل » ثم أ ( يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) وابتغاء ذلك يكون بدعائه وعبادته بما شرعه على لسان رسوله دون غيره ، والآيات المنكرة على المشركين دعاء غير اللّه وكونه عبادة لهم وشركا في اللّه كثيرة ، ولكن المضلين للعوام من المسلمين يقولون لهم لا بأس بدعائكم للأولياء والصالحين عند قبورهم ، والتضرع والخشوع عندهم ، فان هذا توسل بهم إلى اللّه ليبوكم منه بشفاعتهم لكم عنده لا عبادة لهم .