الشيخ محمد رشيد رضا

459

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وهذا تحكم في اللغة وجهل بها ، فأهل اللغة كانوا يسمون ذلك عبادة ، والوسيلة في الدين هي غاية للعبادة ، فان معناها الب منه تعالى ، والتوسل طلب ذلك فهو التب منه بما يرتضيه ، وإنما يكون بما شرعه من عبادتك له دون عبادة غيرك ( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ) والذين عبدوا الملائكة والأنبياء والأولياء كانوا يقصدون بدعائهم أن يبوهم إلى اللّه زلفى وأن يشفعوا لهم عنده ، ويعتقدون أنهم لا يملكون نفعهم ولا كشف الضر عنهم بأنفسهم ، بل ذلك هو اللّه الذي يجير ولا يجار عليه . وآيات الآن صريحة في ذلك . نعم إن طلب الدعاء من المؤمنين مشروع من الاحياء دون الأموات ، ويسمى في اللغة توسلا إلى اللّه لأنه قد شرعه ، ومنه توسل عمر والصحابة بالعباس ، بدلا من النبي عليه وعلى آله الصلاة والسّلام ، وإنما كان ذلك بصلاة الاستسقاء وما يشرع بعدها من الدعاء . فإذا قيل لهم هذا قالوا إن ما ورد من ذم دعاء غير اللّه والتب به إلى اللّه خاص بالمشركين ، وما يعاب من المشركين لا يعاب من المؤمنين باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، فأنتم تحملون الآيات في المشركين على المؤمنين ! ! وهذا القول جهل فاضح منهم ، فان اللّه تعالى ما ذم الشرك إلا لذاته ، وما ذم المشركين إلا لأنهم تلبسوا به ، وإن الذين أشركوا من أهل الكتاب ما كانوا إلا مؤمنين باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، ولكن ما طرأ عليهم من الشرك أحبط إيمانهم ، وكذلك يحبط إيمان من أشرك من المسلمين بدعاء غير اللّه ، أو بغير ذلك من عبادة سواه ، وان لم يشرك بربوبيته ، بأن كان يعتقد أنه هو الخالق المدبر لامر العباد وحده ، فهذا الايمان عام قل من أشرك فيه ، فتوحيد الإلهية هو اخلاص العبادة للّه والتوجه فيها له وحده دون غيره من الأولياء والشفعاء المسخرين بأمره ( وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ) ومن الاعتداء في الدعاء ما هو خاص باللفظ كالتكلف والسجع والمبالغة في رفع الصوت فقد صح النهي عن ذلك ، ومنها ما هو خاص بالمعنى وهو طلب غير المشروع من وسائل المعاصي ومقاصدها كضرر العباد ، وأسباب الفساد ، وطلب المحال الشرعي أو العقلي كطلب ابطال سنن اللّه في الخلق وتبديلها أو تحويلها ، ومنه طلب النصر على الأعداء ، مع ترك وسائله كأنواع السلاح والنظام ، والغنى بدون كسب ، والمغفرة مع الاصرار على الذنب . واللّه تعالى يقول ( فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا * وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا )