الشيخ محمد رشيد رضا
457
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
في خلوته يطرد الوسواس ، ويقاوم فتور النعاس ، ويعين على تدبر الآن ، وبكاء الخشوع للرحمن هذا هو المتبادر من اللفظ عندنا . ومن مفسري السلف من جعل التضرع والخفية متفقين غير متقابلين ، بتفسير التضرع بالتخشع والتذلل ، وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ( رض ) قال كنا مع النبي ( ص ) في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير فقال رسول اللّه ( ص ) « أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، إنكم تدعون سميعا يبا وهو معكم » هذا لفظ مسلم . قال النووي ففيه خفض الصوت بالذكر إذا لم تدع حاجة إلى رفعه فإنه إذا خفضه كان أبلغ في توقيره وتعظيمه فإذا دعت حاجة إلى الرفع رفع كما جاءت به أحاديث اه والمتبادر من العبارة ان الانكار انما كان على المبالغة في الجهر وناهيك بكونه من جماعة كثيرين ، وربما كان بعضهم يظن أن الجهر بتلك الصفة أرضى للرب وأرجى للقبول ، وقال تعالى ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها ، وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا ) وروي عن الحسن البصري أنه قال « إن كان الرجل لقد جمع الآن وما يشعر به الناس ، وان كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس ، وان كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزور « 1 » وما يشعرون به ، ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدا ، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان الا همسا « 2 » بينهم وبين ربهم ، وذلك أن اللّه تعالى يقول ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ) وذلك أن اللّه ذكر عبدا صالحا رضي فعله فقال ( إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا ) اه وقال ابن جريج : يكره رفع الصوت والنداء والصياح في الدعاء ويؤمر بالتضرع والاستكانة إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ في الدعاء ، كما لا يحب ذلك في سائر الأشياء . والاعتداء تجاوز الحدود فيها ، وقد نهي عنه مطلقا ومقيدا ، الا ما كان انتصافا من معتد ظالم بمثل ظلمه ، والعفو عنه أفضل ، والاعتداء في كل شيء يكون بحسبه
--> ( 1 ) الزور بالفتح جماعة الزائرين كالشرب والركب ( 2 ) ان نافية أي ما كان صوتهم في الدعاء الا همسا . والهمس الخفي كصوت اخفاف الإبل عند مشيها