الشيخ محمد رشيد رضا

456

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الإفرنج بهدايته هذه لما جعلوا العلم وسيلة للقتل والتدمير وقهر القوي به للضعيف . * * * ( 54 ) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 55 ) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ بعد أن بين تعالى لأمة الدعوة توحيد الربوبية وذكرهم بالآيات والدلائل عليها أمرهم بما يجب أن يكون لازما لها من توحيد الإلهية وهو افراده تعالى بالعبادة روحها ومخها الدعاء فقال : * * * ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً التضرع تفعل من الضراعة معناه تكلفها أو المبالغة فيها أو اظهارها واختاره الراغب ، وهي مصدر ضرع كخشع إذا ضعف وذل ، وتلوى وتململ ، ومأخذها من قولهم ضرع البهم إذا تناول ضرع أمه وان حاجة الصغير من الحيوان والانسان إلى الرضاع من أمه لمن أشد مظاهر الحاجة والافتقار بشعور الوجدان إلى شيء واحد لا يتوجه إلى غيره معه ، ولذلك خص استعمال التضرع في التنزيل بمواطن الشدة كما تقدم في الآيات 42 و 43 و 63 من سورة الأنعام ، ومثله في سورة المؤمنين ( 77 : وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ ) وذلك أن دعاء اللّه عند الحاجة ولا سيما في حال الشدة هو مخ العبادة وروحها ، وله مظهران التضرع والابتهال ، والخفية والاسرار . أي ادعوا ربكم ومدبر أموركم متضرعين مبتهلين اليه تارة ، ومسرين مستخفين تارة أخرى ، أو دعاء تضرع وتذلل وابتهال ، ودعاء مناجاة وإسرار ووقار : ولكل من الدعاءين وقت ، وداعية من النفس . فالتضرع بالجهر المعتدل تحسن في حال الخلوة والامن من رؤية الناس للداعي ومن سماعهم لصوته ، فلا جهره يؤذيهم ولا الفكر فيهم يشغله عن التوجه إلى الرب وحده ، أو يفسد عليه دعاءه بحب الرياء والسمعة . والاسرار يحسن في حال اجتماع الناس في المساجد والمشاعر وغيرها الا ما ورد رفع الصوت فيه من الجميع ، كالتلبية في الحج وتكبير العيد ، وهو مشترك لا رياء فيه . ولما كان الليل سترا ولباسا شرع فيه الجهر في اءة الصلاة ، وهو للمتهجد