الشيخ محمد رشيد رضا

455

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بقوله ( فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً ) من نظام العالم وسننه ، ومنه الوحي ينزل به الملائكة على الرسل . ويشملهما قوله ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ) وروي عن سفيان بن عيينة أنه قال الخلق ما دون العرش والامر ما فوق ذلك ، وعنه أن الامر هو الكلام وليس عندنا عن غيره من السلف شيء غير هذا في الآية وللصوفية أن عالم الخلق ما أوجده اللّه تعالى بالأسباب المعروفة في المواليد الثلاث مثلا والامر ما أوجده ابتداء بقوله « كن » كالروح وأصل المادة والعنصر الأول لها ، ومنهم من يسمي عالم الشهادة والحس بعالم الخلق وعالم الملك ويسمي عالم الغيب بعالم الامر والملكوت ( إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) أي عند نفخ الروح فيه . فجسمه مخلوق من سلالة من طين لازب ، وروحه من أمر اللّه تعالى تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ أي تعاظمت وتزايدت بركات اللّه رب العالمين كلهم ومدبر أمورهم ، والحقيق وحده بعبادتهم . فتبارك من مادة البركة وهي الخير الكثير الثابت فهي هنا تنبيه على ما في هذا العالم من الخيرات والنعم التي توجب له الشكر والعبادة على عباده دون ما عبدوه معه وليس لهم من الخلق ولا من الامر شيء . وتكلمنا على مادة البركة في تفسير ( 6 : 93 وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ ) فيراجع « 1 » ( تنبيه ) عني بعض المتكلمين المتقدمين بتكلف التوفيق بين ما ورد من ذكر السماوات السبع والكرسي والعرش على الأفلاك التسعة في الهيئة الفلكية اليونانية فزعموا أن السماوات السبع هي الأفلاك المركوز فيها زحل والمشتري والمريخ والشمس والزهرة وعطارد ، وأن الكرسي الذي ذكر في سورة البة هو الفلك الثامن الذي ركزت فيه جميع النجوم الثوابت ، وأن العرش هو الفلك التاسع الذي وصفوه بالاطلس لأنه ليس فيه شيء من النجوم ، وتلك نظريات قد ثبت بطلانها عند علماء الفلك في هذا العصر فسقط كل ما بني عليها من تكلف ولم يبق حاجة إلى الخوض في ذلك لرده ، كما أنه لا حاجة إلى تكلف حمل شيء من الآيات على مسائل العلوم والفنون المعتمدة في زماننا ، فان الآن أرشد البشر إلى العلم بتذكيرهم بآياته في الأكوان وترك ذلك لبحثهم واجتهادهم . وهداية الدين في ذلك أن يكون العلم بالكون وسننه وسيلة لتقوية الايمان ، وتكميل فطرة الانسان ، ولو اهتدى دول

--> ( 1 ) ص 961 : ج 7