الشيخ محمد رشيد رضا

454

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فيمكن تحديد ساعات الليل والنهار في كل قطر ، ومخاطبة أهله بالتلغراف بأن تسأل في نصف الليل من تعلم أن وقتهم نصف النهار مثلا فيجيبوك بل البرقيات تطوف كل يوم مدن العالم المدني في الشرق والغرب مبينة ذلك . وقد اتفق المحققون من علماء المسلمين كالغزالي والرازي من أئمة المعقول وابن تيمية وابن القيم من أئمة المنقول على كروية الأرض وظواهر النصوص أدل على هذا من مقابله كهذه الآية . وحكوا القول بدورانها على مركزها وأوردوا عليه نظريات تشكك في كونه قطعيا ولا تنقضه - كما في المواقف والمقاصد وغيرهما - وقوله تعالى ( يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ ) أدل على استدارة الأرض من هذه الآية وكذا على دورانها ، فان التكوير في اللغة هو اللف على المستدير كتكوير العمامة ، وهو اما ان يكون بدوران الشمس في فلكها الواسع حول الأرض ، واما باستدارة الأرض حول الشمس ، وهو الذي قامت الدلائل الكثيرة في علم الهيئة على رجحانه وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ الامر هنا امر التكوين ، أو هو عبارة عن التصرف والتدبير ومنه أولو الامر ، وأصله الامر المقابل للنهي توسع فيه ، أي وخلق الشمس والقمر والنجوم حال كونهن مذللات خاضعات لتصرفه منقادات لمشيئته ، فقد أالجمهور هذه الكلمات بالنصب ، وأها ابن عامر بالرفع على أن الشمس مبتدأ باعتبار ما عطف عليها ومسخرات خبره ، ولا فرق بين الاءتين في المعنى المراد من التسخير بأمره إلا أن ظاهر اءة الجمهور أن الشمس والقمر والنجوم غير السماوات والأرض لان العطف يقتضي المغايرة وسيأتي الكلام على ذلك في الكلام على السماوات السبع في موضعه أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ « أَلا » أداة يفتتح بها القول الذي يهتم بشأنه ، لأجل تنبيه المخاطب لمضمونه وحمله على تأمله ، والخلق في أصل اللغة التقدير وانما يكون في شيء يقع فيه ، واستعمل بمعنى الايجاد بقدر ، أي الا إن للّه الخلق فهو الخالق المالك لذوات المخلوقات ، وله فيها الامر وهو التشريع والتكوين ، والتصرف والتدبير فهو المالك والملك لا شريك له في ملكه ولا في ملكه ، وقد ذكرنا آنفا بعض الآيات الناطقة بتدبيره تعالى للأمر ، عقب ذكر الاستواء على العرش . وفي معناه حديث مرفوع عند ابن جرير . ومن هذا التدبير ما سخر اللّه له الملائكة المعنيين