الشيخ محمد رشيد رضا
435
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
سيئاتهم عن الجنة فإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك فقال لهم فاذهبوا فأدخلوا الجنة فاني قد غفرت لكم . وعن سعيد بن جبير أن ابن مسعود ( رض ) قال يحاسب اللّه الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة ، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار ، ثم أقول اللّه ( فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ) * الآيتين ثم قال : إن الميزان يخف بمثقال حبة ويرجح . قال ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط ثم عرض أهل الجنة وأهل النار فإذا نظروا إلى أهل الجنة قالوا : سلام عليكم وإذا صرفت أبصارهم إلى يسارهم رأوا أهل النار فقالوا ( رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) تعوذوا باللّه من منازلهم ( قال ) فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم ويعطى كل عبد يومئذ نورا وكل أمة نورا . فإذا أتوا على الصراط سلب اللّه نور كل منافق ومنافقة . فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون ( قالوا ربنا أتمم لنا نورنا ) وأما أصحاب الأعراف فان النور كان في أيديهم فلم ينزع من أيديهم فهنالك يقول اللّه تعالى ( لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) فكان الطمع دخولا ( قال سعيد ) فقال ابن مسعود على أن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها عشر وإذا عمل سيئة لم تكتب الا واحدة ثم يقول : هلك من غلب وحدانه أعشاره اه فهذا أوضح بيان مفصل للقول الذي اعتمده الجمهور ، وللأثرين الموقوفين فيه قوة الحديث المرفوع ، وظاهره أن هذا كله يقع بعد الموقف وقبل أن يجعل هؤلاء الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم على الأعراف فان السور الذي فسرت الأعراف به أو بأعاليه يضرب بعد ذهابهم من الموقف يسيرون بنورهم إلى الجنة كما هو ظاهر آية سورة الحديد وقد ذكرناها عند تفسير كلمة الأعراف ، وفيه أنه تعالى ذكر معرفتهم لأصحاب الجنة وأصحاب النار بسيماهم ونداءهم بالسلام على أهل الجنة بعنوان انهم أصحاب الأعراف ولا يصح هذا العنوان قبل وجودهم عليها إلا إذا ثبت أنهم يسمون أصحابها قبل ذلك أو على التأويل بجعله من مجاز الأول كقوله ( أَعْصِرُ خَمْراً ) ويجاب عن تخصيص الرجال بالذكر بأنهم هم الذين يخاطبون أهل الجنة وأهل النار دون من معهم من النساء * * * ( 47 ) وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا