الشيخ محمد رشيد رضا

434

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ولا يمنع هذا الوجه ولا ذاك ان يكونوا من الملائكة بل ورد التنزيل والحديث الصحيح بتسليم الملائكة على أهل الجنة ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب : سلام عليكم بما صبرتم فنعم الدار عقبى ) وقوله ( لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) فيه وجهان أحدهما انه في أصحاب الأعراف وسيأتي ما روي فيه ، والثاني انه في أهل الجنة والجملة حالية على الوجهين أي نادوهم مسلمين عليهم حال كونهم لم يدخلوها معهم وهم طامعون في ذلك أو حال كون أهل الجنة لم يدخلوا الجنة بعد وهم يطمعون في دخولها لما بدا لهم من يسر الحساب ، ولا سيما إذا كان ذلك بعد المرور على الصراط ، وقد ورد في الآثار أن الناس يكونون في الموقف بين الخوف والرجاء لا تطمئن قلوب أهل الجنة حتى يدخلوها ، ومن ذلك ما رواه أبو نعيم في حلية الأولياء عن عمر بن الخطاب ( رض ) أنه قال : لو نادى مناد : يا أهل الموقف ادخلوا النار الا رجلا واحدا لرجوت أن أكون ذلك الرجل ، ولو نادى : ادخلوا الجنة إلا رجلا واحدا لخشيت أن أكون ذلك الرجل اه بالمعنى لا أذكر أي المكانين قدم . وهذا الوجه هو المتبادر من نظم الكلام * * * ( وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) أفاد هذا التعبير بالفعل المبني للمجهول أنهم يوجهون ابصارهم إلى أصحاب الجنة بالقصد والرغبة ويلقون إليهم السّلام ، وانهم يكرهون رؤية أصحاب النار فإذا صرفت ابصارهم تلقاءهم أي حولت إلى الجهة التي تلقاهم وتبصرهم فيها - وإنما يكون ذلك عن غير توخ ولا رغبة ، بل بصارف يصرفهم إليها أو بمقتضى سرعة تحولها من جهة إلى جهة - قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين حيث هم ولا حيث يكونون . وهذا الدعاء لا يظهر صدوره من الملائكة الا بتأويل أن المراد به استعظام حال الظالمين واستفظاع مآلهم ، لا حقيقة الدعاء . ويجاب بهذا الأخير من انكر أن يكون الأنبياء هم أصحاب الأعراف . والانصاف أن هذا الدعاء أليق بحال من استوت حسناتهم وسيئاتهم ، وكانوا موقوفين مجهولا مصيرهم . روى ابن جرير عن شعبة أن حذيفة رضي اللّه عنه ذكر أصحاب الأعراف فقال هم قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار وقعدت بهم