الشيخ محمد رشيد رضا
433
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) الخ وهؤلاء الشهداء هم حجة اللّه على الناس في كل زمان بفضائلهم واستقامتهم على الحق والتزامهم للخير وأعمال البر ، ولولاهم لفقدت القدوة الصالحة ( 4 ) انهم العباس وحمزة وعلي وجعفر ذو الجناحين ( رض ) يجلسون على موضع من الصراط يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسوادها . وهذا القول ذكر الآلوسي أن الضحاك رواه عن ابن عباس ولم نره في شيء من كتب التفسير المأثور ، والظاهر أنه نقله عن تفاسير الشيعة ، وفيه أن أصحاب الأعراف يعرفون كلا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم أي فيميزون بينهم أو يشهدون عليهم وأي فائدة في تمييز هؤلاء السادة على الصراط لمن كان يبغضهم من الأمويين ومن يبغضون عليا خاصة من المنافقين والنواصب ؟ وأين الأعراف من الصراط ؟ هذا بعيد عن نظم الكلام وسياقه جدا ( 5 ) قول مجاهد انهم قوم صالحون فقهاء علماء . وهذا القول انما تعقل حكمته إذا رد إلى القول الثالث ولذلك قال ابن كثير : ان فيه غرابة ورجح الجمهور - بكثرة الروايات - انهم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم وفيه أن هؤلاء ليسوا من الرجال وحدهم والتعبير برجال يمنع أن يكون فيهم نساء والتغليب لا يظهر هنا ، كما يمنع أن يكونوا من الملائكة خلافا لأبى مجلز إذ لو أريد هذا أو ذاك لعبر عنه بلفظ يقبله كأن يقول « عباد يعرفون كلا بسيماهم » وينافي كونهم من الملائكة أيضا آخر هذه الآية على القول بأن الضمير فيه لأصحاب الأعراف كما ينافي كونهم الأنبياء أو الشهداء وكذا الآية التي بعدها ، فقد قال تعالى : ( وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) أي نادوهم بقولهم سلام عليكم . قيل إن هذا السّلام يراد به الاخبار بالسلامة من العذاب والبشارة بالنجاة ان كان قبل دخول الجنة كما هو المتبادر من تمييزهم بين أهل الجنة وأهل النار بسيماهم فان هذا التمييز بالسيما انما يكون قبل دخول كل في داره ، وهو المروي عن أبي مجلز وحينئذ يترجح أن يكون أهل الأعراف الأنبياء أو الشهداء على الناس منهم ومن غيرهم . وأما إن كان بعد دخولهم الجنة فهو تحية محضة داخلة في عموم قوله تعالى ( لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً ) « تفسير الآن الحكيم » « 55 » « الجزء الثامن »