الشيخ محمد رشيد رضا
430
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
قد صار صفة من صفاتهم فلا يخافون عقابا على إجرامهم فيتوبوا منه ، وتقديم الجار والمجرور ( بالآخرة ) على متعلقه للاهتمام به فان أصل كفرهم قد علم مما قبله ، وهذا النوع منه له تأثير خاص في اصرارهم على ما أسند إليهم ، وقد غفل عن هذا من قال إن التقديم لأجل رعاية الفاصلة ومن المعلوم أن المؤذن بلعن هؤلاء في الآخرة يصفهم بالظلم ويسند إليهم الصد عن سبيل اللّه وبغيها عوجا بصيغة المضارع ويصفهم بالكفر بالآخرة في الآخرة بعد أن زال الكفر بها ، بعين اليقين فيها ، وفات زمن الصد عنها ، وبغيها عوجا . والنكتة في هذا تصوير حالهم التي كانوا عليها في الدنيا ، وترتب عليها ما صاروا اليه في الآخرة . ليتذكروها هم وكل من سمع التأذين بها ، ويعلموا عدل اللّه بعقابهم عليها ، وليعتبر بها في الدنيا من يتصور حالهم هذه . فكانت البلاغة أن يعدل هنا عن صيغة الماضي إلى صيغة الحال حتى يخيل انه هو الواقع عند إطلاق الكلام ، كما كانت البلاغة في العدول عن صيغة الاستقبال في تحاور أهل الجنة وأهل النار إلى صيغة الماضي لاثبات القطع به وتحقق وقوعه ويجوز أن يكون وصفهم بما ذكر مستأنف من كلام اللّه تعالى لا من كلام المؤذن * * * ( وَبَيْنَهُما حِجابٌ ) أي وبين الفريقين حجاب يفصل كلا منهما عن الآخر ويمنعه من الاستطراق اليه . والحجاب من الحجب بمعنى المنع - كالكفاف من الكف والصوان من الصون - وهو حسي ومعنوي . والحسي منه ما يمنع الاستطراق دون الرؤية كالزجاج وما يمنع الرؤية وحدها كالستور وما يمنعهما جميعا كالاسوار والحيطان . ومن الحجب المعنوي منع الإرث حرمانا أو نقصانا . وهذا الحجاب بين الجنة والنار هو السور في قوله تعالى من سورة الحديد ( 57 : 13 يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً . فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ ، باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ ) الآية فان الجنة في باطنه والنار من قبل ظاهره أي بالنسبة إلى ما يكون الناس عليه في موقف الحساب . روى البيهقي في الأسماء والصفات عن مقاتل في قوله ( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ ) قال يعني بالسور حائطا بين أهل الجنة وأهل النار له باب باطنه - يعني باطن السور - فيه الرحمة مما يلي الجنة وظاهره من قبله العذاب يعنى جهنم وهو الحجاب الذي ضرب بين أهل الجنة وأهل النار . وروى هو ورواة التفسير المأثور قبله عن مجاهد في آية الحديد قال : ان المنافقين كانوا مع المؤمنين أحياء في الدنيا يناكحونهم