الشيخ محمد رشيد رضا

431

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ويعاشرونهم وكانوا معهم أمواتا ، ويعطون النور جميعا يوم القيامة فيطفأ نور المنافقين إذا بلغوا السور يماز بينهم يومئذ ، والسور كالحجاب في الأعراف فيقولون ( انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ، قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً ) ( وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ ) الأعراف بصيغة الجمع ضرب من النخل وجمع لكلمتي الأعرف والعرف ( بوزن قفل ) ويطلق على أعالي الأشياء وأوائلها وكل مرتفع من الأرض وغيرها ، ومنه عرف الديك وعرف الفرس وهو الشعر على أعلى الرقبة وعرف السحاب ، روي عن حذيفة ( رض ) قال : الأعراف سور بين الجنة والنار وعن ابن عباس ( رض ) روايات ( 1 ) الأعراف هو الشيء المشرف ( 2 ) سور له عرف كعرف الديك ( 3 ) تل بين الجنة والنار جلس عليه ناس من أهل الذنوب بين الجنة والنار ( 4 ) السور الذي ذكر اللّه في الآن بين الجنة والنار . والتحقيق أن الأعراف هو ذلك السور والحجاب بين الدارين وأهلهما أو أعاليه التي يكون عليها أولئك الرجال الذين يرون أهل الجنة وأهل النار جميعا قبل الدخول فيهما فيما يظهر فيعرفون كلا منهما بسيماهم التي وصفهم اللّه تعالى بها في مثل قوله ( 80 : 38 وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ 39 ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ 40 وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ 41 تَرْهَقُها قَتَرَةٌ 42 أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ) وأما بعد الدخول فيها فالتمييز بين الفريقين من تحصيل الحاصل وذكره عبث ينزه عنه التنزيل إلا إذا أريد معرفة أشخاص معينين وهو لا يظهر هنا وانما يظهر في قوله ( وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ ) فهذه سيما خاصة لأنها لافراد مخصوصين ، وتلك سيما عامة لأنها لفريقين أفرادهما غير محصورين وقد اختلف المفسرون فيهم على أقوال عدها الطبي وغيره اثني عشر قولا وهي على ثلاث مراتب ( الأولى ) أنهم بعض أشراف الخلق الممتازين ( والثانية ) أنهم الذين ليسوا من الأخيار الذين رجحت حسناتهم فاستحقوا الجنة ولا من الأشرار الذين رجحت سيئاتهم فاستحقوا النار ، بل تساوت حسناتهم وسيئاتهم ، وفي بعض الأحاديث الضعيفة أنهم قوم خرجوا للجهاد في سبيل اللّه بدون اذن آبائهم واستشهدوا فمنعهم من دخول النار قتلهم في سبيل اللّه ومن دخول الجنة معصية آبائهم - وهذا خاص يدخل في العام الذي قبله ( والثالثة ) أنهم