الشيخ محمد رشيد رضا
429
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والظالمون في الاحكام يبغونها عوجا بترك تحري ما أمر اللّه تعالى به من التزام الحق ، وإقامة ميزان العدل ، والمساواة فيهما بين الناس بالقسط ، بأن لا يحابى أحد لعقيدته أو مذهبه ، ولا لغناه أو قوته ، ولا يهضم حق أحد لضعفه أو فه ، ولا لفسقه أو كفره ، ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أن لا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ) بل منهم من بغى هذه الشريعة العادلة المعتدلة عوجا في أساس نظامها ، وأصول أحكامها ، فجعل حكومتها من قبيل الحكومات الشخصية ، ذات السلطة الاستبدادية ، والظالمون بالغلو فيها جعلوا يسرها عسرا ، وسعتها ضيقا وحرجا ، وزادوا على ما شرعه اللّه من أحكام العبادات ، والمحظورات والمباحات ، أضعاف ما أنزله اللّه في كتابه ، وما صح من سنة رسوله ، مما ضاقت به مطولات الاسفار ، التي تنقضي دون تحصيلها الاعمار ، ومنهم من جعل غاية الاهتداء بها الف والمهانة ، والذلة والاستكانة ، خلافا لما نطق به الكتاب من عزة المؤمنين ، وكونهم أولى بزينة الدنيا وطيباتها من الكافرين ، فهذه أمثلة لمن يبغونها عوجا من المنتمين إليها والمدعين لهدايتها ، وأما أعداؤها الصرحاء فهم يطعنون في كتاب اللّه وفي خاتم رسله جهرا بما يخلقون من الافك ، وما يحرفون من التكلم ، وما يخترعون من الشبهات ، وما ينمقون من المشككات ، وأمرهم معروف ، وأجرؤهم على البهتان والزور وتعمد قلب الحقائق فريقان - دعاة النصرانية الطامعون في تنصير المسلمين الذين اتخذوا هذه الدعوة حرفة عليها مدار رزقهم ، ورجال السياسة الاستعماريون الطامعون في استعباد المسلمين واستعمار بلادهم ، وكل من الفريقين ظهير للآخر ، فالحكومة السودانية الانكليزية حرمت مجلة المنار على مسلمي السودان بسعي دعاة النصرانية وسعايتهم لان دعوتهم لا تروج في قوم يءون المنار « 1 » وأما قوله تعالى ( وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ ) فهو خاص بمنكري البعث من أولئك الظالمين الذين يصدون عن سبيل اللّه ويبغونها عوجا وهم شر تلك الفرق كلها - أي وهم على ضلالتهم وإضلالهم كافرون بالآخرة كفرا راسخا
--> ( 1 ) من الانصاف ان نقول إن حكومته الحاضرة قد اذنت لنا في إرساله قبل إعادة طبع هذا الجزء