الشيخ محمد رشيد رضا
424
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ بعد أن ذكر سبحانه النار وأهلها ، والجنة وأهلها ، بين لنا في هذه الآيات وما بعدها بعض ما يكون بين الفريقين - فريق الجنة وفريق السعير - من الحوار بعد استار كل منهما في داره ، وتمكنه في أره ، وهي تدل على أن الدارين في عالم واحد ، أو أرض واحدة ، يفصل بينهما حجاب هو سور واحد لا يمنع من اشراف أهل الجنة وهم في عليين ، على أهل النار وهم في سجين من هاوية الجحيم ، فيخاطب بعضهم بعضا بما يزيد أهل الجنة عرفانا بقيمة نعمة اللّه عليهم ، ويزيد أهل النار حسرة على تفريطهم وشقاء على شقائهم ، ولا يقتضي هذا النوع من الاتصال الب المعهود عندنا في الدنيا بين المتخاطبين وهو كون المسافة بينهما تقاس بالذراع أو الباع ، بل يجوز أن تكون بحيث تحدد بما عندنا من الأشهر أو الأيام ، لان شأن الآخرة أن تغلب فيه الروحانية على المادة الجسدية ، فيمكن للانسان أن يسمع من هو على بعد شاسع منه ويراه ، وقد كان هذا المعنى غريبا بعيدا عن المألوف عند أجدادنا الأولين ، ولا يكاد يوجد الآن في العالم المدني من يستبعده بعد اختراع البشر للآلات التي يتخاطبون بها من أبعاد ألوف الأميال ، إما بالإشارات الكاتبة كالتلغراف السلكي واللاسلكي أو بالكلام اللساني كالتليفون السلكي واللاسلكي ، وقد نبأتنا أخبار الاختراعات في الشمال بصنع آلة تجمع بين الرؤية والخطاب ، ان كان لما يتم صنعها فقد كاد . قال عز وجل * * * * * * وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا التعبير بالماضي عن المستقبل معهود في الأساليب العربية البليغة ، وأشهر نكته جعل المستقبل في تحقق وقوعه كالذي وقع بالفعل ، والمعنى أن أصحاب الجنة سوف ينادون أصحاب النار حتى إذا ما وجهوا أبصارهم إليهم سألوهم سؤال تبجح وافتخار بحسن حالهم ، وتهكم وتذكير بما كان من جناية أهل النار على أنفسهم بتكذيب الرسل ، وتير لهم بصدق ما بلغوهم من وعد ربهم لمن آمن وأصلح بنعيم الجنة قائلين : قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا وها نحن أولاء فيه فهل وجدتم ما وعد ربكم من آمن به وبما جاءت به رسله حقا ؟ قالوا ( وَعَدَنا رَبُّنا ) ولم يقولوا لأهل النار ( وعدكم ربكم ) بل حذفوا المفعول - لأنه قد عرف حينئذ أن أهل الجنة محل لذلك الوعد بالجنة وان