الشيخ محمد رشيد رضا

425

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أهل النار ليسوا محلا له ، فسألوهم عن الوعد المطلق كما وجه إلى الناس كافة في الدنيا على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسّلام معلقا على الايمان والتقوى والعمل الصالح في مثل قوله ( 13 : 36 مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) الخ وقوله ( 47 : 15 مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ) الخ وقوله تعالى في حكاية دعاء الملائكة للذين تابوا واتبعوا سبيله ( 40 : 8 رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ) وقوله ( 19 : 61 جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ ) وهذا ظاهر على القول بأن الوعد خاص بما كان في الخير ، وكذا على القول بأنه يشمل الخير والشر وهو الصحيح ولكن الوعيد خاص بالشر أو السوء ) والمعنى حينئذ : فهل وجدتم ما وعد ربكم من آمن به واتقاه ، وما وعد به من كفر به وعصاه حقا بدخولنا الجنة ودخولكم النار ؟ وهذا يوافق قاعدة حذف المعمول لإفادة العموم ، والجمهور على أنه لا يكاد يطلق الوعد في الشر غير متعلق بالموعود به صراحة ولا ضمنا لأنه إذا أطلق ينصرف إلى الخير وأما إذا قيد بتعلقه بالشر فيجوز أن تكون تسميته وعدا للتهكم أو للمشاكلة إذا كان في مقابلة وعد الخير أو للتغليب ، فالأول كقوله تعالى ( 22 : 71 قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ ؟ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) والثاني كقوله تعالى ( 2 : 268 الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ) على أن لوعد الشيطان هنا نكتة أخرى وهو أنه شر في صورة الخير على سبيل الخداع فإنه عبارة عن الوسوسة للمرء بترك الصدقة وعمل البر اتقاء للف بذهاب ماله ، وتظهر مقابلة المشاكلة في وعد اللّه للمنافقين والمؤمنين في سورة التوبة ( 9 : 69 و 73 ) والثالث ( هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ ) إشارة إلى البعث . ولكن في التنزيل ما لا يظهر فيه شيء من الثلاثة كقوله في وعيد قوم صالح ( 11 : 65 ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ) وله نظائر على أن المتكلمين قد صرحوا بجواز تخلف الوعيد وعدم جواز تخلف الوعد بناء على أن العرب تتمدح بذلك والعقلاء يعدونه فضلا وكيف يقبل هذا مع قول اللّه تعالى في الوعيد ( 22 : 45 وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ) وما في معناه من الآيات نعم قد يصح قولهم في الوعيد المقيد ولو في نصوص أخرى بجواز العفو عنه كبعض المعاصي دون المؤكد أو المطلق الذي لا يقيده شيء وذهب بعض المفسرين إلى أن الوعد هنا بمعنى الوعيد ولو للمشاكلة وأن المفعول حذف تخفيفا للايجاز أو للعلم به مما قبله ، والمعنى فهل وجدتم ما أوعدكم ربكم