الشيخ محمد رشيد رضا
403
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الشرك والوثنية التي ما أنزل بها من سلطان ، وبالكذب على اللّه بارهاق الأمة بما لم يشرعه لها من الاحكام ، تحكما من رؤساء الدين عن تقليد أو اجتهاد . وذلك قوله تعالى ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) فما من أمة من الأمم العزيزة السعيدة ، ارتكبت هذه الضلالات والمفاسد المبيدة ، الا وسلبها اللّه سعادتها وعزها ، وسلط عليها من استذلها وسلب ملكها ( وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) وأمامنا تاريخ اليهود والرومان والفرس والعرب والترك وغيرهم ، منهم من سلب ملكه كله ، ومنهم من سلب بعضه أو أكثره ، ومن لم يرجع إلى رشده ، فإنه يسلب ما بقي له منه وهذا النوع من آجال الأمم - وان عرفت أسبابه وسننه - لا يمكن لاحد أن يحدده بالسنين والأيام ، وهو محدد في علم اللّه تعالى بالساعات ، ولذلك قال ( فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) الساعة في اللغة عبارة عن أقل مدة من الزمن ، والساعة الفلكية اصطلاح ، وهي جزء من 24 جزءا من مجموع الليل والنهار . أي فإذا جاء أجل كل أمة كان عقابهم فيه لا يتأخرون عنه أقل تأخر كما أنهم لا يتقدمون عنه إذا لم يجيء ، أو لا يملكون طلب تأخيره كما أنهم لا يملكون طلب تقديمه ، وقد قالوا إن استقدم ورد بمعنى قدم وأقدم وتقدم كما ورد استجاب بمعنى أجاب ، ومثله استأخر . ولا يمنع هذا كون الأصل في السين والتاء للطلب أو مظنة الطلب ، والطلب قد يكون بالقول وقد يكون بالفعل ، فمن أتى سبب الشيء كان طالبا له بالفعل ، وإن كان غافلا عن استتباعه له ، فالأمة التي ترتكب أسباب الهلاك تكون طالبة له بلسان حالها واستعدادها ولا بد أن يأتيها . لان هذا الطلب هو الذي لا يرد ، ومفهوم الشرط هنا ان الأمة قد تملك طلب تأخير الهلاك قبل مجيء أجله أي قبل أن تغلبها على نفسها وعلى ارادتها أسباب الهلاك ، ذلك بأن تترك الفواحش والآثام ، والظلم والبغي ، والفساد في الأرض ، والاسراف في الترف المفسد للأخلاق ، وخرافات الشرك المفسدة للعقول والاعمال ، وكذا التكاليف التقليدية بتكثير ما ابتدع من العبادات والمحرمات ، التي لم يخاطب الرب بها العباد . والمراد ان يكون الغالب على الأمة الصلاح لاصلاح جميع الافراد