الشيخ محمد رشيد رضا
404
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فان قيل إنه قد جاء معنى هذه الآية بالجزم ، وغير مشروط بهذا الشرط ، في قوله تعالى من سورة الحجر ( 15 : 4 ) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ( 5 ) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ ) قلنا إن امتناع السبق والتأخر أو طلبه والسعي له هنا انما هو بالنسبة إلى ما علمه اللّه تعالى وأثبته في كتاب مقادير العالم ، فان علمه تعالى لا يتغير ، وسننه لا تتبدل ولا تتحول ، ولذلك يمتنع التأخير أو طلبه من طريق أسبابه إذا جاء الاجل بالفعل ، ولهذا أمثلة كثيرة في الحس ، منها ما يمكن ضبطه بالتحديد ، ومنها ما يعلم بالتيب . كقوة الحرارة وتأثيرها في الأجسام ، وقوة المواد الضاغطة وما يترتب عليها من الانفجار ، كل منهما يضبط بحساب معلوم . ومنها مقدار الماء الذي يمسك وراء السدود كخزان أسوان ، فقوة السد ومقادير الماء وقوة ضغطه مقدرة بحساب . وكذا الماء والوقود الذي تسير به مراكب البر والبحر ، والغاز المحرك للطيارات والمناطيد في الجو ، يمكن العلم بما تحتاج اليه كل مسافة منه ، والجزم بوقوف هذه المراكب بعد نفاده في الوقت المقدر له . وكل عمل منظم بعلم صحيح ، يأتي فيه مثل هذا التقدير ، ويكون ضبطه وتحديده بقدر إحاطة العلم به ، مثل درجات الحرارة والرطوبة وسنن الضغط والجذب ، ككون جاذبية الثقل على نسبة مربع البعد . ومما يكون التقدير فيه بالتيب ، فيخطيء فيه المقدر ويصيب ، تقدير سير الأمراض المعروفة كالسل الرئوي فان له درجات يسرع قطع المسلول لها ويبطيء بقدر قوة المناعة والمقاومة في جسمه وطرق المعالجة والتغذية والرياضة وما يتعلق بها من جودة الهواء وأشعة الشمس . وكم من مرض اتفق الأطباء على إمكان الشفاء منه قبل وصوله إلى الدرجة التي لا تنفع معها المعالجة وهم مصيبون في ذلك ، كالسرطان الذي يمكن استئصاله بعملية جراحية في وقت يب ويتعذر في آخر وكذلك شأن الأمم قد يبلغ فيها الفساد درجة تستعصي فيها معالجته على أطباء الاجتماع ، ولكنها إذا تنبهت قبل انتشار الفساد فيها ، وتبريحه بزعمائها ودهمائها فقد يمكن أن يظهر فيها من أفراد المصلحين أو جماعاتهم من ينقذها فيرشدها إلى تغيير ما بأنفسها من الفساد فيغير اللّه ما بها ، وهو من استئخار الهلاك أو منعه عنها قبل مجيء أجلها وقد سبق حكيمنا العربي ابن خلدون إلى الكلام في آجال الأمم وأعمار الدول ، وبيان ما يعرض لها من الهرم ، وكونه إذا وقع لا يرتفع ، فأصاب في