الشيخ محمد رشيد رضا

395

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

المشركين وغيرهم من أهل الملل الذين ظلموا أنفسهم وكذبوا على اللّه بزعمهم انه حرم على عباده ما أخرج لهم من نعم الزينة والطيبات من الرزق ، وكذا لمن اتبعك من المؤمنين : إنما حرم ربي في كتبه ، على ألسنة رسله ، هذه الأنواع الخمس أو الست من أعمالهم الضارة التي يجنون بها على أنفسهم ، فجعل تحريمها هو الدائم الذي لا يباح بحال من الأحوال كما يدل عليه الحصر بأنما وهي 1 و 2 - الفواحش الظاهرة والباطنة - فالفواحش جمع فاحشة وهي الفعلة أو الخصلة التي فحش قبحها في الفطر السليمة والعقول الراجحة التي تميز بين الحسن والقبيح والضار والنافع وكانوا يطلقونها على الزنا واللواط والبخل الشديد وعلى القذف بالفحشاء والبذاء المتناهي في القبح ، وتقدم تفصيل القول في الفواحش ما ظهر منها وما بطن في تفسير ( 5 : 151 ) وهي من آيات الوصايا العشر في أواخر سورة الأنعام « 1 » وفيه إحالة في تفسير ما ظهر منها وما بطن على تفسير ( 119 وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ ) من تلك السورة « 2 » 3 و 4 - الاثم والبغي ، تقدم ان الاثم في اللغة هو القبيح الضار فهو يشمل جميع المعاصي - الكبائر منها كالفواحش والخمر والصغائر كالنظر واللمس بشهوة لغير الحليلة وهو اللمم ، ومنه قوله تعالى ( 53 : 31 الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ) فعطف الفواحش على كبائر الاثم لا على الاثم وهو من عطف الخاص على العام . وكذلك عطف البغي على الاثم هنا من عطف الخاص على العام . ومعناه في أصل اللغة طلب لما ليس بحق أو بسهل أو ما تجاوز الحد ، وقالوا بغى الجرح - إذا ترامى إلى الفساد ، أو تجاوز الحد في فساده . ومنه البغي في الأرض الوارد في عدة آيات كقوله ( 10 : 23 فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) وقد صرح في بعضها بالفساد ( 28 : 77 وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ ) وإذا عدي البغي بعلى كان بمعنى التجاوز والتعدي على الناس في أنفسهم أو أموالهم أو اعراضهم ومنه ( 28 : 86 إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ - 38 : 21 خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ - 49 : 9 فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ) بل ذهب الراغب إلى أن حقيقة البغي طلب تجاوز الاقتصاد في القدر أو الوصف سواء تجاوزه بالفعل أو لم يتجاوزه . وذكر انه قد يكون محمودا وهو تجاوز العدل إلى الاحسان والفرض إلى التطوع . واستعمال الآن له في المعنيين

--> ( 1 ) راجع ص 187 ( 2 ) راجع ص 21