الشيخ محمد رشيد رضا

396

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

اللذين ذكرناهما آنفا وفي غيرهما يؤيد تعريفنا وهو أعم من هذا التعريف كقوله في البحرين ( بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ) وقوله في أهل الجنة ( لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا ) وقوله ( أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ * أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ * قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا * يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ * وَيَبْغُونَها عِوَجاً ) * ومنه البغاء وهو طلب النساء الفاحشة . وقد يتعدى إلى مفعولين ومنه ( أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً - قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا ) وقال في الأساس : وابغني ضالتي - اطلبها لي ، وأبغني ضالتي - أعني على طلبها . قال رؤبة : * فاذكر بخير وابغني ما يبتغى * أي اصنع بي ما يجب أن يصنع ، وخرجوا بغيانا لضوالهم اه وكله يدخل في تعريفنا فان طلب الضالة التي خرجت من حيازة المالك طلب لما يعسر بل ناشدها يطلب ما ليس له بالفعل ، ورؤبة يطلب إحسانا وكرامة ليست حقا له فعلم من هذا أن البغى المحرم هو الاثم الذي فيه تجاوز لحدود الحق أو اعتداء على حقوق أفراد الناس أو جماعاتهم وشعوبهم ولذلك اقترن الاثم بالعدوان كقوله ( تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ - وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ - تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ) ومنه ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ ) * أي فمن اضطر إلى شيء من محرمات الطعام غير طالب لها لذاتها فإنه تجاوز للحق - ولا عاد حد الضرورة فيما يتناوله منها ( فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) * وقد قيد البغي بكونه بغير الحق لاستعماله بالمعنى اللغوي الذي يشمل تجاوز الحدود المعروفة أو المألوفة فيما لا ظلم فيه ولا فساد ، ولا هضم لحقوق الجماعات ولا الافراد ، كالأمور التي ليس لهم فيها حقوق ، أو التي تطيب أنفسهم فيها عن بعض حقوقهم فيبذلونها عن رضى وارتياح لمنفعة أو مصلحة لهم يرجونها ببذلها ، وقيل إن القيد للتأكيد وقال ابن القيم : ان الاثم ما كان محرم الجنس ، والعدوان ما كان محرم القدر والزيادة ، فهو تعدي ما أبيح إلى القدر المحرم كالاعتداء في أخذ الحق ممن هو عليه بأخذ زيادة عماله ، وباتلاف اضعاف ما أتلف عليه أو قول اضعاف ما قيل فيه فهذا كله تعد للعدل . قال : وكذلك ما أبيح له قدر معين منه فتعداه إلى أكثر منه كمن أبيح له إساغة الغصة بجرعة من خمر فتناول الكأس كلها ، أو أبيح له نظرة الخطبة والسوم والمعاملة والمداواة ، فأطلق عنان طرفه في ميادين محاسن المنظور ، وأسام طرف ناظره في تلك الرياض والزهور ، فتعدى