الشيخ محمد رشيد رضا

394

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فصدق عليهم تعريف الدين المشهور بأنه : وضع الهي سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم إلى ما فيه نجاحهم في الحال ، وفلاحهم في المآل . أو إلى سعادة الدارين . ولقد كان من العجب أن يغفل الكثيرون عن سبب هذه الحضارة أو يجهلوا أنه الآن . حتى كان الجهل لسببها سببا لاضاعته واضاعتها . وأمسى المسلمون من أجهل الشعوب وأفهم وأضعفهم . وأقلهم خدمة لدينهم - فغاية دينهم أن تكون لهم زينة الدنيا وطيباتها وسيادتها وملكها . وأن يكونوا فيها شاكرين للّه عليها . قائمين بما يرضيه من الحق والعدل والخير والبر وكل ما تقتضيه خلافته في الأرض وبذلك يكونون اهلا لسعادة الدنيا والآخرة ، والدنيا مزرعة الآخرة كما قال أحد حكماء دينهم ، ثم انتهى هذا الجهل بالكثيرين من أهل هذا العصر منهم ومن غيرهم أن صاروا يظنون أن دين الاسلام هو سبب ضعف المسلمين وجهلهم وذهاب ملكهم ؟ وقد بينا من قبل بطلان هذا الجهل الذي قلب الحقيقة قلبا ، وحجتنا كتاب اللّه تعالى وسنة رسوله ( ص ) وتاريخ هذه الأمة ، ولكن القارئين قليلون ، والذين يفهمون منهم أقل ، والذين يعتبرون بما يفهمون أندر ، وللّه الامر من قبل ومن بعد * * * ( 33 ) قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ بعد أن أنكر التنزيل في الآية السابقة على المشركين وغيرهم من أهل الملل تحريم زينة اللّه التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق - قفى عليه ببيان أصول المحرمات العامة التي حرمها لضرر ثابت لازم لها لا لعلة عارضة وكلها من أعمالهم الكسبية لا من مواهبه ونعمه الخلقية . ليعلم أنه له الحمد والشكر لم يحرم على الناس الا ما هو ضار بهم دون ما هو نافع لهم فقال ( قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ . وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) هذا كلام مستأنف لبيان ما حرمه اللّه تعالى بعد إنكار أن يكون حرم الزينة والطيبات لان الحال تقتضي ان يسئل عنه والمعنى : قل أيها الرسول لهؤلاء