الشيخ محمد رشيد رضا

393

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مالك في علم ولا عمل ، بل ضعفه الإمام أحمد وغيره في الحديث . وقد كان قشف بعض السلف عن قلة ، وتقشف بعضهم لأجل القدوة ، وإنما الزهد في القلب ، فلا ينافيه الاعتدال في الزينة وطيبات الاكل والشرب ، ولا كثرة المال ، إذا أنفق في مصالح الأمة وتربية العيال . وقد جهل ذلك أكثر الصوفية وبينه أحد أركان التحقيق في العلم منهم كالسيد عبد القادر الجيلي . فقد روي أن بعض مريديه شكوا اليه اقبال الدنيا عليهم فقال : أخرجوها من قلوبكم إلى أيديكم فإنها لا تضركم فقد علمنا من هذا كله أن الزينة والطيبات من الرزق هي حق المؤمنين في الدنيا وأنها لهم بالذات والاستحقاق - وهو مبني على أنه يجب أن يكونوا بمقتضى الايمان والاسلام أعلم من الكافرين بالعلوم والفنون والصناعات الموصلة إليها . وأن يكونوا من الشاكرين عليها ذلك الشكر الذي يحفظها لهم ويكون سببا للمزيد فيها بحسب وعد اللّه تعالى وسننه في خلقه . ومنه تفهم حكمة تذييل الآية بقوله تعالى كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي من شأنهم العلم بأمثال هذه الأحكام وحكمها ولو بعد خطابهم بها ، وقد سبق مثل هذا التعبير ، والمعنى أن هذا التفصيل لحكم الزينة والطيبات الذي ضل فيه افراد وأمم كثيرة من البشر إفراطا وتفريطا لا يعقله الا القوم الذين يعلمون سنن الاجتماع وطبائع البشر ومصالحهم وطرق الحضارة الشريفة فيهم ، وقد فصلها تعالى لهم بهذه الآيات الموافق هديها لفطرة اللّه التي فطر الناس عليها على لسان نبيه الأمي الذي لم يكن يعرف شيئا من تاريخ البشر في بداوتهم وحضارتهم وافراطهم وتفريطهم فيهما قبل أن أنزل اللّه تعالى عليه كتابه الحكيم تبيانا لكل شيء يحتاجون اليه في سعادتهم فكان هذا التفصيل من الآيات العلمية على نبوته ( ص ) لأنه خلاصة علوم كثيرة فاصلة بين النافع والضار . ما كان لمثله أن يعلمها بذكائه . وانما هي وحي اللّه له . وقد قصر المفسرون في بيان هذه الحقائق . على أن بعض المحققين قد ذكروا ما يؤيد ما قلناه وان لم يحتج إلى تأييدهم لوضوحه في نفسه . فقد ذكر شيخ الاسلام ابن تيمية أن المسلمين أعلم من جميع الكافرين بكل العلوم البشرية وأن أهل السنة منهم أعلم من المبتدعة بذلك نعم هكذا كان فلو لا الآن لما خرجت العرب من ظلمات جاهليتها وبداوتها ووثنيتها إلى ذلك النور الذي صلحت به وأصلحت أمما كثيرة بالدين والعلوم والفنون والآداب بما أحيت من علوم الأوائل وفنونها وأصلحت من فاسدها