الشيخ محمد رشيد رضا

388

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من الوثنيين وأهل الكتاب كثيرا من الطيبات والزينة كذلك . فجاء دين الفطرة الجامع بين مصالح البشر في معاشهم ومعادهم ، المطهر المربي لأرواحهم وأجسادهم - ينكر هذا التحكم والظلم للنفس ، فالاستفهام في قوله تعالى ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ ) الخ انكاري يدل على أن هذا التحريم من وساوس الشياطين ، لا مما أوحاه تعالى إلى من سبق من المرسلين ، أي لم يحرمه أحد منهم ، ولم يجعل سبحانه حق التبليغ عنه لغيرهم ، وإضافة الزينة إلى اللّه تعالى يؤذن باستحسانها والمنة بها ، وإخراجها للناس عبارة عن خلق موادها لهم وتعليمهم طرائق صنعها ، بما أودع في فطرهم من حبها ، وفي عقولهم من الاستعداد للابداع فيها ، ليبلوهم أيهم أحسن عملا ، وأكثر للمنعم شكرا ، وأوسعهم بسننه وآياته علما ، والطيبات من الرزق هي المستلذات من الأطعمة والأشربة ، واشتراط كونها حلالا يؤخذ هنا من النهي عن الاسراف فيها ، وصرح به في آيات أخرى كما تقدم في سورتي البة ( 2 : 167 ) والمائدة ( 5 : 90 و 91 ) خلق اللّه تعالى البشر مستعدين لاظهار آياته وسننه في جميع ما خلقه لهم في هذا العالم الذي يعيشون فيه ، ذلك بأنه أودع في غرائزهم ميلا إلى العلم والبحث وكشف المجهولات ، والاطلاع على الخفيات ، لا حد له يقف عنده ، وحبا للشهوات الحسية والعقلية ، والزينة الصورية والمعنوية ، لا حد له أيضا ، فاندفعوا بهذه الغرائز التي لم تخلق لغيرهم ممن يشاركهم في حياتهم الجسدية كأنواع الحيوان ، ولا في حياتهم الروحية من الملائكة والجان ، فلم يدعوا شيئا عرفوه بحواسهم الا وعنوا بالبحث فيه ، ولا شيئا عرفوه بعقولهم إلا وبحثوا عنه ، ولم يكن بحثهم من طريق واحد ولا لغرض واحد ، بل من طرق كثيرة لأغراض شتى لم تنته ولن تنتهي في هذه الحياة المقضي عليها بالنهاية ، وإنما هم مخلوقون لحياة لا نهاية لها ولا حد ، كما تدل عليه غرائزهم واستعدادهم الذي ليس له حد ولقد كانت غريزة حب الزينة وغريزة حب الطيبات من الرزق سببا لتوسع البشر في أعمال الفلاحة والزراعة وما يرقيها من فنون الصناعة وسائر وسائل العمران واظهار عجائب علم اللّه وحكمته وقدرته في العالم ، ورحمته واحسانه بالخلق ، ولو وقف الانسان عند حد ما تنبت له الأرض من الغذاء لحفظ حياة أفراده الشخصية وبقاء حياته النوعية كسائر أنواع الحيوان لما وجد شيء من هذه العلوم والفنون والاعمال وهل كان ما ذكر في بيان خلقه الأول من أكل آدم وحواء من الشجرة التي نهيا