الشيخ محمد رشيد رضا
389
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عنها الا بدافع غريزة كشف المجهول ، والحرص على الوصول إلى الممنوع ؟ وهل كان ما ذكر من حرمانهما من الراحة بنعيم الجنة التي يعيشان فيها رغدا بغير عمل ، الا لبيان سنة اللّه في جعل هذا النوع عالما صناعيا تدفعه الحاجة إلى العمل ، ويدفعه العمل إلى العلم ، ويدعه حب الراحة إلى التعب ، ويثمر له التعب الراحة ؟ وقد عرف من اختبار قبائل هذا النوع وشعوبه في حالي بداوته وحضارته أنه يتعب ويبذل في سبيل الزينة ، فوق ما يتعب وببذل في سبيل ضروريات المعيشة ، وكثيرا ما يفضلها عليها عند التعارض ، فالمرء قد يضيق على نفسه في طعامه وشرابه ليوفر لنفسه ثمنا لثوب فاخر يتزين به في الأعياد والمجامع ، وما ذا تقول في المرأة وهي أشد حبا للزينة من الرجل ، وقد تؤثرها على جميع اللذات الأخرى ؟ وان توسع الأغنياء في أنواع الزينة التي ينفسون بها على الفاء هو الذي وسع الطرق لاستفادة هؤلاء من فضل أموال أولئك ، فان الغواصين الذين يستخرجون اللؤلؤ من أعماق البحار ، وعمال الصياغة والحياكة والتطريز والبناء والنقش والتصوير وسائر الزينات ، كلهم أو جلهم من الفاء الذين يتزين الأغنياء بما يعملون لهم وهم منه محرمون ، ولكنهم لا يصلون إلى ما لا بدلهم منه من معيشة وزينة تليق بهم الا بسبب تنافس الأغنياء فيه فحب الزينة أعظم أسباب العمران ، واظهار استعداد الانسان ، لمعرفة سنن اللّه وآياته في الأكوان ، فهي غير مذمومة في نفسها ، وانما يذم الاسراف فيها ، والغفلة عن شكر المنعم بها ، ومن الاسراف فيها جعلها شاغلة عن عبادة اللّه تعالى وعن سائر معالي الأمور والكمالات الانسانية ، من علمية أو عملية أو اجتماعية ، دنيوية كانت أو أخروية ، ومنه إضاعة الوقت الطويل في التطرز والتطرس والتورن كما يفعل النساء وبعض الشبان . وكذلك الطيبات من الرزق . وهذه الأمور المذمومة ليست لوازم للزينة والطيبات تحصل بحصولها ، وتزول بزوالها ، وليس الحرمان من الزينة والطيبات علة سببية ولا غائية ، للقيام بمعالي الأمور الدينية والدنيوية ، ولا لشكر اللّه تعالى والرضى عنه ، ولا هو أعون على ذلك . وانما الابتلاء والاختبار يقع بكل من حصولهما والحرمان منهما ، وإن المالك لهما أقدر على طاعة اللّه وشكره وتزكية نفسه ونفع غيره من الفاقد لهما ، فلا وجه إذا لتحريم الدين لهما ، ولا لجعله إياهما عائقين عن الكمال بحيث يعبد اللّه تعالى ويتب اليه بتركهما ، كما جرى عليه وثنيو البراهمة وغيرهم ، وسرت عدواه التقليدية إلى