الشيخ محمد رشيد رضا
385
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
شعر بالشبع كف وان كان يستلذ الاستزادة ، ولو لم يشرب إلا إذا شعر بالظمأ واكتفى بما يزيله ريا فلم يزد عليه لاستلذاذ برد الشراب أو حلاوته ، لم يكن مسرفا في أكله وشربه ، وكان طعامه وشرابه نافعا له - ومنها اقتصادي وهو أن تكون نفقة الثلاثة على نسبة معينة من دخل الانسان لا تستغرق كسبه ، فمن نفينا عنه الاسراف الطبيعي في أكله وشربه قد يكون مسرفا في ماله إذا كان نوع طعامه وشرابه ولباسه مما لا يفي دخله بمثله - ومنها عقلي أو علمي ، ومنها عرفي وشرعي ، ومن حدود الشرع في الطعام والشراب واللباس أنه حرم من الطعام الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير اللّه ، ومن الشراب الخمر وهي كل مسكر ، كما حرم كل ضار منهما كالسموم ، ومن اللباس الحرير المصمت أي الخالص وكذا الغالب - على الرجال دون النساء - فهذه أشياء محرمة بأعيانها ، فلا تباح إلا لضرورة تقدر بقدرها . وحرم مما يلابسها الاكل والشرب في أواني الذهب والفضة وهذا وما قبله ثابت في الأحاديث الصحيحة ، والظاهر أن النبي ( ص ) عده من السرف الذي يدخل في عموم النهي عن الاسراف في الثلاثة ، ونهى أيضا عن لباس الشهرة وعن تشبه المسلمين بغيرهم واعتبر علماء الشرع عرف الناس فيما يجب من نفقة الأقارب التي تختلف باختلاف الضيق والسعة ، أخذا من قوله تعالى ( لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ) الآية - فيجب على الزوج الغنى لزوجته الغنية ما لا يجب على الفقير من غذاء ولباس ولكن درجات الغنى والف متفاوتة لا يمكن ضبطها وتحديدها ، والمعتبر في كل طبقة من الناس عرف المعتدلين منهم الذي يدخل في طاقتهم - ومن تجاوز طاقته مباراة لمن هم في الثروة مثله من المسرفين أو لمن هم اغنى منه وأقدر كان مسرفا ، وكم خربت هذه المباراة والمنافسة من بيوت كانت عامرة ، ولا سيما إذا اتبعت فيها أهواء النساء في التنافس في الحلي والحلل ، والمهور وتجهيز العرائس ، واحتفالات الاعراس والمآتم ، وما يتبعهما من الولأ والوضائم « 1 » وإن من النساء من ترى من العار أن تلبس الغلالة أو الحلة في زيارتها لأمثالها مرتين بل لا بد لكل زيارة من حلة جديدة . وهذا سرف كبير ، وضرره على الأمة أكبر من ضرره على الافراد ، ولا سيما في مثل هذه البلاد ، التي تأتي بكل أنواع الزينة من البلاد الأجنبية ، فتذهب ثروتها إلى من يستعين بها على استذلالهم وسلب استقلالهم
--> ( 1 ) الوليمة طعام العرس والوضيعة طعام المأتم