الشيخ محمد رشيد رضا
386
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ولا يعارض ما تقدم هذا ما ورد من الآثار وسيرة الخلفاء الراشدين وغيرهم من السلف في التقشف فان هذا الهدي الآني هو أصل الشرع وكل ما خالفه فله سبب يعرفه الواقف على جملة سيرتهم وما كانوا عليه من الف والضيق في أول الاسلام ، وما خافوا على الأمة من الفساد بالترف والسرف عند خروجها من ذلك الضيق إلى تلك السعة التي لا حد لها بالاستيلاء على ملك كسرى وقيصر وغيرهما على أن الميل إلى التقشف والتقتير والغلو في ذلك تدينا معهود من طباع البشر كضده ، والاعتدال والقصد هو الذي خاطب به الشرع الناس كلهم ، وهو يختلف باختلاف اليسر والعسر والزمان والمكان . وما ورد من حديث عائشة عند ابن مردويه والبيهقي من أن الاكل مرتين في اليوم من الاسراف ضعيف ومعارض بالصحاح وحديث أنس عند ابن ماجة « ان من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت » ضعيف أيضا ولكن معناه صحيح وحكمة من جهة أخرى وذلك أن من اتبع نفسه هواها ، ولم يكبح جموحها بقوة الإرادة عن بعض شهواتها ، فإنها تقودة إلى الاسراف وإلى شرور أخرى . ولهذا شرع اللّه الصيام علينا وعلى من قبلنا . وقد مال بعض الصحابة إلى الغلو وشرعوا فيه بترك اكل اللحم وغشيان النساء حتى استأذن بعضهم النبي ( ص ) في الخصاء فأدبهم اللّه ورسوله بما ورد من الآيات والأحاديث في ذلك ، وقد فصلنا القول فيه تفصيلا عند تفسير قوله تعالى من سورة المائدة ( 5 : 90 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا ) الخ الآيتين « 1 » وبينا فيه أن ما عني بعض الصوفية بنقله من أخبار الزهد في الطعام كالغزالي في كتاب كسر الشهوتين فأكثره لا أصل له ومنه الموضوع والضعيف وأقله الصحيح وأن جملة سيرة النبي ( ص ) في الطعام أنه كان يأكل ما وجد من خشن ومستلذ ، ليكون قدوة للمعسرين وهم أكثر أصحابه ، وللموسرين وهم الأقلون منهم في عهده ، وقد ايسروا من بعده ، على أنه ورد أن أحب الطعام اليه اللحم ، ولكنه لم يكن يهتم بالطعام ، وانما كان يهتم بأمر الماء والشراب ، فلا يشرب إلا النظيف العذب ، ويحب البارد الحلو ، حتى كان يستعذب له الماء من مسافة يوم أو يومين ، وأما اللباس فكان في عامة أحواله يلبس ما كان يلبس قومه ، ولبس من خشن اللباس ومن أجود أنواعه ليكون قدوة للغني والفقير
--> ( 1 ) راجع ص 17 - 32 من جزء التفسير السابع