الشيخ محمد رشيد رضا

380

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كانوا يميزون أنفسهم على سائر الناس : يطوفون بثيابهم - وهذا حسن في نفسه دون الانفراد به - ويأتون البيت من ظهره لا من بابه إذا كانوا محرمين ، وقد أبطل هذا كتاب اللّه تعالى بقوله ( وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ويقفون عند المشعر الحرام ( جبل قزح ) بمزدلفة لا في عرفات . ويعللون هذا بأنهم أهل الحرم فلا يخرجون منه ، وعرفة خارج حد الحرم المعروف بالعلمين المنصوبين اللذين ينفر الحجاج من بينهما عند الدفع منها إلى المزدلفة ، ولذلك ورد أن النبي ( ص ) لما خرج في حجة الوداع إلى الموقف كانت يش لا تشك في أنه يقف عند المشعر الحرام بمن معه من يش ويأمر الناس بأن يذهبوا إلى عرفة فيقفوا فيها فخاب ظنهم ، وأبطل النبي ( ص ) امتيازهم وسن لهم ولغيرهم المساواة . وبدأ ( ص ) بنفسه حتى إنه أبى أن يتخذ لنفسه مكانا في منى يستظل فيه من الشمس لما أرادوا عمله له . وقال « منى مناخ من سبق » رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم عن عائشة بسند صحيح وجملة القول أن الروايات في سبب نزول هاتين الآيتين قد روي مثلها في نزول ما قبلهما من آيات اللباس كما تقدم مختصرا . والمعنى أن هذه الآيات كلها نزلت مبطلة لتلك الضلالة الجاهلية الفاحشة ومرة لوجوب اتخاذ الملابس للستر ولزينة التجمل واظهار نعمة اللّه على عباده . قال عز وجل يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ يقال في هذا النداء ما قلنا في مثله قبله ونريد أنه يشمل النساء بالتبع للرجال شرعا لا لغة ويدل على بعثة النبي ( ص ) إلى جميع البشر . والظاهر أن هذه الوصايا مما أوصى اللّه تعالى به من سبق من الرسل وسنعود إلى هذا في تفسير آخرها ، والزينة ما يزين الشيء أو الشخص فهي اسم من زانه يزينه زينا ، ضد شانه - أي عابه - يشينه شينا . وأخذها عبارة عن التزين لأنه إنما يحصل بأخذ ما يزين واستعماله ، والمراد بها هنا الثياب الحسنة المعتادة بدليل الينة والإضافة وسبب نزول الآيات - وإلا فأنواع الزينة في الدنيا كثيرة - ومنها المال والبنون - فلا يدخل فيها ما هو خاص بالنساء من الحلي والحلل التي يتحببن بها إلى أزواجهن وقد تكون شاغلة عن العبادة وأقل هذه الزينة ما يدفع عن المرء أقبح ما يشينه بين الناس وهو ما يستر عورته وقد اقتصر بعضهم على هذا لأجل جعل الامر للوجوب وإنما