الشيخ محمد رشيد رضا
372
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بمزاولة أسبابها في قوله الآتي يبا ( إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ) فاكتساب الكفار لولاية الشياطين باستعدادهم لقبول وسوستهم وإغوائهم ، وعدم احتراسهم من الخواطر الباطلة أو الشريرة من لمتهم ، كاكتساب ضعفاء البنية للامراض باستعدادهم لها ، وعدم احتراسهم من أسبابها ، كالقذارة وتناول الأطعمة والأشربة الفاسدة أو القابلة للفساد بما فيها من جراثيم تلك الأمراض ، - كما تقدم شرحه آنفا - فأولياء الشيطان هم أصحاب الوساوس والأوهام ، والخرافات والطغيان ، والكفر والفسوق والعصيان ، والمتولون لنائه من أهل الطاغوت والدجل والنفاق ، كما يؤخذ من عدة آيات وقد كانوا في الجاهلية يعبدون الجن والشياطين لا بطاعتهم في وسوستهم فقط بل كان منهم من يستعيذ بهم كما يستعيذ المؤمنون باللّه كما قال تعالى ( وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً ) وكانوا يتبون إليهم بما يظنون أنه يعطفهم عليهم فيمنع ضررهم أو يحملهم على نفعهم كما يتب إليهم الدجالون اليوم بالبخور والعزائم والاستغاثة ، وكل ذلك عبادة تدخل في قوله تعالى ( أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ ألا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ) وقد اشتهر أن بعض الدجالين يتب إلى الشياطين بكتابة شيء من الآن وشده على عورته ، وهذا من أقبح أنواع الكفر وأسفلها فهل يليق بالمؤمن الذي يتولى اللّه ورسوله أن يلجأ إلى أحد من هؤلاء الدجالين في مصالحه يرجو منه نفعا أو دفع ضر وجملة القول إن اللّه تعالى فضل الانس على الجن وجعلهم ارقى منهم ، ولو كانوا يرون المكلفين منهم كالشياطين لتصرفوا فيهم كما يتصرفون بجنة الهوام وميكروبات الأمراض - وفاقا لقول الحبر ابن عباس ( رض ) ان خوفهم منا أشد من خوفنا منهم - والوسوسة منهم تكون على قدر استعدادنا لقبولها فذنبها علينا . وما يذكره الناس من ضررهم وصرعهم فاكثره كذب ودجل والنادر لا حكم له * * * ( 27 ) وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها . قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ؟