الشيخ محمد رشيد رضا
373
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( 28 ) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ( 29 ) كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 30 ) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ . إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ هذا بيان لبعض آثار ولاية الشياطين للذين لا يؤمنون ، أي انهم يطيعونهم في اغوائهم في أقبح الأشياء ولا يشعرون بقبحها * * * وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قال ابن جرير رحمه اللّه تعالى في تفسير هذه الجملة : وإذا فعل الذين لا يؤمنون باللّه الذين جعل اللّه لهم الشياطين أولياء قبيحا من الفعل وهو الفاحشة وذلك تعريهم للطواف بالبيت وتجردهم له فعذلوا على ما أتوا من قبيح فعلهم وعوتبوا عليه قالوا : وجدنا على مثل ما نفعل آباءنا فنحن نفعل مثل ما كانوا يفعلون ونقتدي بهم ونستن بسنتهم واللّه أمرنا به فنحن نتبع أمره فيه اه والفاحشة كل ما عظم قبحه وفسرها هو وغيره هنا بطواف أهل الجاهلية عراة لان المسلمين لما كانوا يعذلونهم ويقبحون فعلتهم هذه كانوا يجيبون بهذا الجواب ، ومما رواه في ذلك قول مجاهد : كانوا يطوفون بالبيت عراة يقولون نطوف كما ولدتنا أمهاتنا فتضع المرأة على قبلها النسعة ( أي القطعة من سيور الجلد ) أو الشيء فتقول : اليوم يبدو بعضه أو كله * وما بدا منه فلا أحله وقد تقدم ذكر هذه الفعلة الفاحشة وما روي من شبهتهم الشيطانية عليها وهي إنهم لا يطوفون ببيت ربهم في ثياب عصوه بها وبينا فساد هذا القول فاما اعتذارهم بالتقليد فقد رده الكتاب العزيز في مواضع تقدم بعضها في سورتي البة والمائدة ، وقال مفسر والمتكلمين كالزمخشري والبيضاوي والرازي إنه تعالى لم يجب عن هذه الحجة وهي محض التقليد لما تر في العقول من أنه طريقة فاسدة لان التقليد حاصل في الأديان المتناقضة فلو كان حقا لزم القول بحقية الأديان المتناقضة ، وهو محال . فلما كان فساد هذا الطريق ظاهرا لم يذكر اللّه تعالى الجواب عنه ، هذا تير الرازي ، وقوله بفساد التقليد وكونه حجة داحضة في نظر العقول السليمة صحيح ، ولكن زعمه أن هذا سبب لعدم الرد غير صحيح ، فقد