الشيخ محمد رشيد رضا
371
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لم ار أولئك الجن الذين كان يراني اجادلهم وأذودهم عنه ، والواقعة تحتمل التأويل عندي ، ولا أعدها دليلا قطعيا على كون صرعه كان من الجن كما أنه لا مانع عندي أن يكون منهم ، وقد ذكرت هذه الواقعة لشهرتها عندنا في البلد وكثرة من شهدها وقد يكون من غريب الاتفاق انني كنت أعاشر بعض أصحاب هذا الصرع ولكن لم يكن يحدث لهم وأنا معهم قط . ومنهم حموده بك أخو شيخنا الأستاذ الامام ، كنت أكثر الناس معاشرة لهم وما من أحد كان يكثر زيارتهم إلا ورأى حموده يصرع ولا سيما بعد اشتداد النوبات عليه في أثناء مرض الشيخ وبعده حتى كانت ربما تتعدد في اليوم الواحد ولكنني كنت امكث عندهم في الإسكندرية الأيام والليالي ، ولم يقع له شيء من ذلك امامي ، ومثله في ذلك صديقنا محمد شريف الفاروقي - رحمهما اللّه تعالى - ولا أستبعد أن يكون لبعض الأرواح تأثير في بعض باذن اللّه تعالى ، كما لا انفي على سبيل القطع أن يكون ذلك من نوادر الاتفاق ، وكان شيوخ بلدنا ينقلون عن جدي الثالث غرائب في هذا الباب وانني لم اذكر مثل هذا إلا لامرين أحدهما أن لا يظن ظان أني أميل في تشددي في كشف غش الدجالين إلى آراء الماديين ، وثانيهما أن لا يجعل أحد ما نقل عن مثل شيخ الاسلام من ارساله رسولا إلى المصروع يخرج منه الشيطان حجة على من ينكر دجل هؤلاء الضالين من عباد الشياطين أو الدعاة إلى عبادتهم ، بتخويف الناس مما لا يخيف منهم ، أو التب إليهم بما يعد عبادة لهم ، كما يعبد اليزيدية إبليس جهرا بدعوى أنهم بذلك يتقون شره والعياذ باللّه تعالى فأمثال هؤلاء الدجالين واتباعهم هم الذين قال اللّه تعالى فيهم : إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ أي قد مضت سنتنا في التناسب بين أنواع المخلوقات المتجانسة والمتشاكلة أن يكون الشياطين الذين هم شرار الجن أولياء لشرار الانس ، وهم الكفار الذين لا يؤمنون باللّه تعالى وملائكته وكتبه ورسله ايمان اذعان بحيث يهتدون بوحيه ويزكون أنفسهم بعبادته وآدابه حتى يبعد التناسب والتجانس بينهما ، فهذا الجعل لا يدل على ما يدعيه الجبرية ، وإسناده إلى اللّه تعالى لا يقتضي أنه جعله خارجا عن نظام الأسباب والمسببات ونتائج الاعمال الاختيارية التي تسند إلى مكتسبيها باعتبار صدورها عنهم وإلى الخالق تعالى باعتبار خلقه وتقديره لذلك في نظام الكون وسننه ، وقد أسند هذه الولاية إلى مكتسبيها