الشيخ محمد رشيد رضا
367
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تأثيرها بارتكاب المعاصي والشرور - وحينئذ يكون هذا العقل المادي المأفون قاضيا على أصحابه المساكين بفساد أبدانهم وأرواحهم جميعا فان قيل إن الأطباء قد ثبتت فائدة طبهم وادويتهم بالتجربة فوجبت عليهم طاعتهم والتسليم لهم بما يقولون - قلنا إن فائدة طب الأنبياء وورثتهم في هداية الناس وتهذيب أخلاقهم وصلاح اعمالهم أشد ثبوتا ، ولكن هؤلاء الماديين على ضعف عقولهم يؤمنون بكل ما يقوله الأطباء وان لم يثبت عندهم بالرؤية ، ولا بنظريات الفكر ، فهم يجتهدون في حفظ أبدانهم من الجهة المادية ولكنهم يجهلون ما يجني عليهم كفرهم بالطب الروحي الديني في أرواحهم وأبدانهم جميعا ، فان هذا الكفر يحصر همهم في التمتع باللذات الدنيوية فيسرفون فيها بما يضعف أبدانهم مهما تكن العناية بها عظيمة . دع افساد أخلاقهم وأرواحهم وما يجنيه عليهم وعلى أمتهم وعلى البشر جميعا ، وناهيك بمضار ما يستحلونه من السكر والزنا والقمار ، وما يستبيحونه من الخيانة للأمة في هذه السبيل . فلو كان الخونة الذين يتخذهم الأجانب أعوانا لهم على استعباد أمتهم مؤمنين معتصمين بتقوى اللّه وهدي كتبه ورسله من الطمع وحب الرياسة بالباطل وغير ذلك مما حرمه اللّه تعالى لما خانوا اللّه وخانوا أمانة أمتهم وأوطانهم اتباعا لشهواتهم ، وطمعا في تأثل الأموال والادخار لأولادهم ، ( 8 : 27 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ 28 وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) بل قال أعظم فيلسوف يحترمون عقله وعلمه : ان هذه الافكار المادية التي تغلبت في أوربة على الفضائل قد محت الحق من عقول أهلها فلا يعقلون منه إلا تحكيم القوة ، وستتخبط به الأمم ويختبط بعضهم ببعض ليتبين من هو الأقوى فيكون سلطان العالم . هذا ما سمعه الأستاذ الامام من الفيلسوف هربرت سبنسر ( في 10 أغسطس سنة 1903 ) وكتبه عنه وقد زادنا في روايته اللفظية له عنه ما يدل على أنه كان يتوقع هذه الحرب العامة الوحشية ، ويعدها من سيئات الافكار المادية وضعف الفضيلة ، وقد روينا ذلك عنه بالمعنى مع فوائد أخرى في رحلتنا الأوربية ( ج 3 م 23 من المنار ) ومن المصائب على البشر أن أكثر المؤمنين بطب الدين الروحي في هذه الون الأخيرة لا يقفون فيها عند حدود ما أنزل اللّه على رسوله وما فهمه منه حملته من السلف الصالح بل زادوا وما زالوا يزيدون فيه من الخرافات ، والبدع والضلالات ، ما جعلهم حجة على دينهم وفتنة للذين كفروا ينفرونهم منه - فتراهم