الشيخ محمد رشيد رضا

368

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لا يتقون الوسواس الضار الذي يجدونه في خواطرهم كما يجب وإنما يتبعون في الجن والشياطين تضليل الدجالين والدجالات كزعمهم أن الشياطين يمرضون الأجساد ويخطفون الأطفال ، وإن لهؤلاء الدجالين صلة بهم وتأثيرا في حملهم على ترك الضرر والمساعدة على النفع بشفاء المرضى ورد المفقودين ، والحب والبغض بين الأزواج والعشاق ، ومن ذلك الزار الذي يخرجون به الشياطين من الأجساد بزعمهم ، ولهذه الخرافات مضار ورزايا كثيرة في الأبدان والأرواح والأموال والاعراض ، فهي بذلك شبهة كبيرة للماديين على المتدينين ، المقلدين للجهال والدجالين ، والدين لم يثبت للشياطين ما يزعمه الدجالون ، ولم يثبت لهم ولا لغيرهم ما يدعونه من التصرف فيهم ، وانما يثبت كتاب اللّه تعالى للشياطين وسوسة هي من الأسباب العادية للتأثير في القلوب المستعدة لها كتأثير جنة الهوام في الأجساد المستعدة ، وان مقاومة كل منهما في استطاعة الانسان ، وقد ارشده اليه الآن ، وصرح في هذه الآية بأن الشياطين يرون الناس من حيث لا يراهم الناس ، وهؤلاء الدجالون ينفون ما أثبت كتاب اللّه ويثبتون ما نفاه ، ويقولون بغير علم روي عن ابن عباس ( رض ) أن النبي ( ص ) ما رأى الجن الذين استمعوا الآن منه مستدلا بقوله تعالى ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ) ولكن روي عن ابن مسعود أنه رآهم وفي أحاديث أخرى انه كان يرى الشياطين . وكان الشافعي ( رح ) يرى أن رؤيتهم من الخوارق الخاصة بالأنبياء فقد روى البيهقي في مناقبه عن صاحبه الربيع أنه سمعه يقول من زعم أنه يرى الجن رددنا شهادته إلا أن يكون نبيا . وخصه بعضهم برؤيتهم على صورتهم التي خلقوا عليها واختلفت فرق المسلمين في تشكلهم بالصور فالجمهور يثبتونه ولكن بعضهم يقول : إنه تخييل لا حقيقة وهو مروي عن عمر ( رض ) فقد قال ما معناه . إن أحدا لا يستطيع تغيير الصورة التي خلقه اللّه عليها ولكن تخييل كتخييل سحرة الانس - وتقدم نص الرواية في بحث استهواء الشياطين من سورة الأنعام وما فيها - وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال « أي رجل منكم نحيل له الشيطان فلا يصدن عنه وليمض قدما فإنهم منكم أشد فرقا منكم منهم » الخ وهو صحيح في كون الشياطين وسائر الجن العاقلة تخاف من البشر الذين خلقهم اللّه تعالى أرقى منهم كجن الحشرات الذين ورد في الحديث أن منها ما يطير ومنها حيات وعقارب . وقد فصلنا القول فيما ورد في الجن وما قيل فيهم في مواضع من التفسير ومن