الشيخ محمد رشيد رضا

34

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تكثر فيها المطامع ويعظم حب الرياسة والكبرياء : يمكرون بالناس من أفراد أمتهم وجماعاتها ليحفظوا رياستهم ويعززوا كبرياءهم ويثمروا مطامعهم فيها ، ويمكر الرؤساء والساسة منهم بغيرهم من الأمم والدول لارضاء مطامع أمتهم وتعزيز نفوذ حكومتهم في تلك الأمم والدول . وقد عظم هذا المكر في هذا العصر فصار قطب رحى السياسة في الدول ، وعظم الافك بعظمه لأنه أعظم أركانه ، وقد كتبنا مقالا في بيان ذلك وشرح علله وأسبابه عنوانه ( دولة الكلام المبطلة الظالمة ) نشر في الجزء الخامس من مجلد المنار الحادي والعشرين فليراجعه من شاء وهذا العموم في الآية صحيح واقع يعرفه أهل البصيرة والعلم بشؤون الاجتماع والعمران ولا تظهر صحة العموم في إلى والأكابر جميعا يجعل جميع الأكابر المجرمين ماكرين في جميع إلى أو بجعل جميع المجرمين فيها أكابر أهلها بحيث يكون الاجرام هو سبب كونهم أكابرها بل قد يتحقق بكون أكثر الأكابر الزعماء مجرمين ماكرين ولا سيما في إلى التي استحقت الهلاك بحسب سنة الاجتماع المبينة في قوله تعالى في سورة الإسراء ( 17 : 16 وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ) ولا سيما على القول الراجح بأن معناه أمرنا مترفيها بما نرسل به الرسل من التوحيد وعبادة اللّه وحده وما يلزمه حتما من الصلاح والاصلاح والعدل ففسقوا عن امر ربهم وظلموا وأفسدوا فحق عليها القول الذي أوحاه اللّه إلى الرسل بمثل قوله ( فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ) فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً وكذا على القول بأن معنى ( أَمَرْنا مُتْرَفِيها ) كثرناهم لان كثرتهم وقلة الصالحين المتقين لا تتحقق عادة إلا إذا كان جمهور الأكابر منهم . وقد راجعنا بعد كتابة ما تقدم تفسير الحافظ ابن كثير فألفيناه قد استشهد بآية الاسراء في تفسير الآية التي نحن بصدد تفسيرها وقال : قيل معناه أمرناهم بالطاعة فخالفوا فدمرناهم ، وقيل أمرناهم أمرا قدريا كما قال هنا « لِيَمْكُرُوا فِيها » وقوله تعالى ( أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها ) قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال : سلطنا شرارهم فعصوا فيها فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم . اه . والمراد بالامر القدري - ويعبر عنه بعضهم بأمر التكوين - ما اقتضته سنة اللّه تعالى في نظام الخلق وتكوينه كما قال ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ) أي بنظام مقدر لا أنفا ، وبحكمة بالغة لا جزافا ،