الشيخ محمد رشيد رضا

35

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ثم نعود إلى بحث العموم في الآية فنقول : لو كانت العبارة نصا في أن جميع أكابر كل ية مجرمون ماكرون لوجب جعلها من باب العموم المراد به الخصوص بأن يراد بالأكابر المجرمين من يقاومون دعوة الاصلاح ويعادون المصلحين من الرسل وورثتهم لينطبق على الواقع ، وإلا فان أكابر أهل مكة لم يكونوا كلهم ماكرين بالنبي ( ص ) والمؤمنين ، وانما كان أكثرهم كذلك وعلل المفسرون تخصيص الأكابر بأنهم أقدر على المكر واستتباع الناس . ومن قال منهم بأن المعنى جعلنا مجرميها أكابر ينبغي له أن يجعل اللام في قوله « لِيَمْكُرُوا » لام العاقبة فان المجرمين إذا صاروا أكابر بلد وزعماءه لا يمكنهم أن يحافظوا على مكانتهم فيه إلا بالمكر والخداع فيصير أمرهم اليهما ( وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ ) هذا بيان حقيقة أخرى من طبائع الاجتماع الانساني متممة لما قبلها وهي تتضمن الوعيد لأكابر مجرمي مكة الماكرين ، والوعد والتسلية للنبي ( ص ) والمؤمنين ، وذلك بالايجاز الذي يستنبطه الأذكياء من أمثال هذه القواعد العامة ، وسيصرح به في الآيات التالية . أي وما يمكر أولئك الأكابر المجرمون الذين يعادون الرسل في عصرهم ودعاة الاصلاح من ورثتهم بعدهم إلا بأنفسهم ، وكذا سائر من يعادون الحق والعدل والصلاح لبقاء ما هم عليه من الفسق والفساد لان عاقبة هذا المكر السييء تحيق بهم في الدنيا والآخرة - أما في الآخرة فالامر ظاهر والنصوص واضحة ، وأما في الدنيا فبما ثبت في الآيات من نصر المرسلين ، وهلاك الكافرين المعاندين لهم ، ومن علو الحق على الباطل ودمغه له ، ومن هلاك إلى الظالمة المفسدة ، وبما أيد ذلك من الاختبار حتى صار من قواعد علم الاجتماع أن تنازع البقاء ينتهي ببقاء الأمثل والأصلح وفاقا للمثل الذي ضربه اللّه تعالى للحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض » ومن النصوص الصريحة فيه بمعنى الآية قوله تعالى في مجرمي مكة ( 35 : 42 وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ . فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نورا ( 43 ) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ؟ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ) - وهذا نص