الشيخ محمد رشيد رضا
355
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مع مراعاة سنن اللّه تعالى في الخليقة ، وما ترشد اليه الآيات الأخرى في القصة وما يناسبها ، ولم ندخل فيه شيئا من تلك الروايات المأثورة ، والآراء المشهورة ، التي لا دليل عليها من قول اللّه ولا قول رسوله ، ولا من سننه تعالى في خلقه ، إذ كل ما ورد في ذلك أو جله من الإسرائيليات التي لا يوثق بها ، وقد فتن كثير من المفسرين بنقلها ، كقصة الحية ودخول إبليس فيها وما جرى بينها وبين حواء من الحوار كلمة في الإسرائيليات الواردة في قصة آدم وغيرها ومن أراد الإسرائيليات فليرجع إلى المتفق عليه عند أهل الكتاب ليعلم الفرق بين ما عندنا وما عندهم بأن يراجع هنا سائر ما ورد في القصة بعد الذي نشرناه منها في سفر التكوين دون غيره مما لا يعرف له أصل عندهم وهو في الفصل الثالث منه . وملخصه أن الحية كانت أحيل حيوان البرية وأنها قالت لحواء إنها هي وزوجها لا يموتان إذا أكلا من الشجرة كما قال لهما الرب ، بل يصيران كآلهة يعرفان الخير والشر ، وأن حواء رأت أن الشجرة طيبة الاكل بهجة المنظر منية للنفس فأكلت منها وأطعمت زوجها فأكل ، فانفتحت أعينهما ، وعلما أنهما عريانان فخاطا لأنفسهما مآزر من ورق التين « فسمعا صوت الرب الاله وهو متمش في الجنة » فاختبآ من وجهه بين الشجر ، فنادى الرب آدم ، فاعتذر بتواريه عنه لأنه عريان ، فسأله من اعلمه أنه عريان وهل أكل من الشجرة ؟ فاعتذر بأن امرأته أطعمته ، وسأل الرب المرأة فاعتذرت باغواء الحية لها « 14 فقال الرب الاله للحية : إذ صنعت هذا فأنت ملعونة من بين جميع البهائم وجميع وحوش البرية ، على صدرك تمشين وترابا تأكلين طول أيام حياتك « 1 » ( 15 ) وأجعل عداوة بينك وبين المرأة وبين نسئلك ونسلها فهو يسحاق رأسك وأنت ترصدين عقبه » وقال للمرأة إنه يكثر مشقات حملها وآلام ولادتها وانها تنقاد إلى بعلها وهو يسودها ، وقال لآدم إن الأرض ملعونة بسببه ؛ وأنه بمشقة يأكل طول أيام حياته وبعرق وجهه يأكل خبزا حتى يعود إلى التراب الذي أخذ منه ، ثم قال الرب : 22 هو ذا آدم قد صار كواحد منا يعرف الخير والشر ، والآن لعله يمد يده فيأخذ من شجرة الحياة أيضا ويأكل فيحيا إلى الدهر ( 23 ) فأخرجه الرب الاله من جنة عدن ليحرث الأرض التي
--> ( 1 ) أي لا تأكلين إلا التراب وهو المشهور عند العوام والواقع انها لا تأكل ترابا البتة وانما تأكل من الحشرات وسائر ما تقدر على ابتلاعه من الحيوان وكذا البيض