الشيخ محمد رشيد رضا

350

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عندي ان معنى ظهورها لهما ان شهوة التناسل دبت فيهما بتأثير الاكل من الشجرة فنبهتهما إلى ما كان خفيا عنهما من امرها ، فخجلا من ظهورها ، وشعرا بالحاجة إلى سترها ، وشرعا يخصفان اي يلزقان أو يضعان ويربطان على ابدانهما من ورق أشجار الجنة العريض ما يسترها - من خصف الإسكافي النعل إذا وضع عليها مثلها - فالمواراة كانت معنوية ، فان كانت حسية فما ثم الا الشعر ساتر خلقي ، وقد تظهر الشهوة ما اخفاء الشعر ، وان لم يسقط بتأثير ذلك الاكل . ويدل على كل من هذين الوجهين فطرة الانسان التي نزلت الآيات في شرح حقيقتها وغرائزها . واللّه اعلم بمراده ، وخلقه وقدره أصدق شاهد لكتابه ( وَناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ) الاستفهام هنا للعتاب والتوبيخ ، أي وقال لهما ربهما الذي يربيهما في طور المخالفة والعصيان ، كما يربيهما في حال الطاعة والاذعان ، : ألم أنهكما عن تلكما الشجرة أن تباها وأقل لكما إن الشيطان عدو لكما دون غير كما من الخلق بين العداوة ظاهرها فلا تطيعاه يخرجكما من الجنة حيث العيش الرغد إلى حيث الشقاء في المعيشة والتعب في جهاد الحياة . وهذا القول هو ما ورد في سورة طه ( فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى ) والآن يفسر بعضه بعضا سواء ما تقدم نزوله منه وما تأخر * * * ( قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) هذا بيان مستأنف لما كان من أمرهما بعد أن تذكرا نهي الرب لهما عن الاكل من الشجرة لما فيه من ظلمهما لأنفسهما به وهو أنهما قالا : يا ربنا ! إننا ظلمنا أنفسنا بطاعتنا للشيطان وعصياننا لك كما أنذرتنا ، وقد عرفنا ضعفنا وعجزنا عن التزام عزائم الطاعات ، وان لم تغفر لنا ما نظلم به أنفسنا ، وترحمنا بهدايتك لنا وتوفيقك إيانا إلى ترك الظلم ، والاعتصام من الجهل والجهالة بالعلم والحلم ، وبقبولنا إذا نحن تبنا إليك وباعطائك إيانا من فضلك ، فوق ما نستحق بعدلك ، فوحقك لنكونن إذا من الخاسرين لأنفسنا وللسعادة والفلاح بتزكيتها ، وانما ينال الفوز والفلاح بمغفرتك ورحمتك من يتوب إليك ويتبع سبيلك ، دون من يصر على ذنبه ويحتج على ربه كالشيطان الرجيم ، الذي أبي واستكبر ، واحتج لنفسه على المعصية وأصر ، هذا ما يدل عليه المقام وتقتضيه الحال من معنى كلمات آدم التي تلقاها من ربه وهي التي أشير إليها في سورة البة ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ