الشيخ محمد رشيد رضا
351
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) قالها خاشعا متضرعا وتبعته زوجه بها ، فحذفهما لمفعول « تَغْفِرْ » - إذ لم يقولا وان لم تغفر لنا ذنبنا هذا أو ظلمنا - يدل على أنهما قد علقا النجاة من الخسران على المغفرة العامة المطلقة التي تشمل هذا الذنب وغيره ، من كل ذنب يتوب الانسان عنه ويرجع إلى ربه ، وهو الذي يقتضيه مقام بيان حال الفطرة البشرية المبين في آيات أخرى كآية الأحزاب في حمل الانسان للأمانة وكونه كان بذلك ظلوما جهولا ، وآية المعارج ( إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ، وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ، إِلَّا الْمُصَلِّينَ ) الخ ويؤيده ان هذا الذنب بعينه قد عوقبا عليه بالاخراج من الجنة وبالتشهير الدائم باعلامه تعالى ذريتهما به ، وهاك ما أجابهما الرب تعالى به ، إذ المقام مقام السؤال عنه : * * * ( قالَ اهْبِطُوا جميعا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) الخطاب لآدم وحواء عليهما السّلام وللشيطان عليه اللعنة والملام ، أي اهبطوا من هذه الجنة أو من هذه المكانة - على ما تقدم مثله في قصة إبليس - بعضكم وهو الشيطان ، عدو لبعض وهو الانسان ، وأما الانسان فليس عدوا للشيطان ، لأنه ليس مندفعا إلى اغوائه وايذائه ، وانما يجب عليه أن يتخذه عدوا بأن لا يغفل عن عداوته له ولا يأمن وسوسته واغواءه ، كما قال تعالى ( إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ ) وقيل إن الخطاب لهما بالذات ولذريتهما بالتبع وفيه خطاب المعدوم - وقيل هو خطاب لهما فقط بدليل قوله في سورة طه ( قالَ اهْبِطا مِنْها ) الخ وفي هذه التثنية قولان للمفسرين أحدهما انها لآدم وحواء والثاني انها لآدم وإبليس ، وحواء تبع لآدم ، وهذا أقوى لأنه جعل بعض المخاطبين عدوا لبعض وانما العداوة بين الانسان والشيطان لا بين المرء وزوجه التي خلقت ليسكن إليها وتكون بينهما المودة والرحمة . فعجبا لمن غفل عن هذا . ويحتمل أن تكون التثنية للفريقين فريقي الانسان والشيطان ، والمتبادر ان هذا الاخراج من ذلك النعيم عقاب على تلك المعصية ، وتأويل لكونها ظلما منهما لأنفسهما ، وهو من نوع العقاب الذي قضت سنته تعالى في طبيعة الخلق ان يكون أثرا طبيعيا للعمل السيء ، مترتبا عليه ترتب المسبب على السبب ، وأما النوع الآخر من العقاب عليه من حيث هو عصيان للرب تعالى الذي يكون في الآخرة فقد غفره تعالى لهما بالتوبة التي ذهبت بأثره من النفس وجعلتها محلا لاصطفائه تعالى كما قال في سورة طه ( وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى . ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى )