الشيخ محمد رشيد رضا
341
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
للمفطور على ذلك ، وقد يعصي فيفيده العصيان خوفا ورهبة ، ويحمله على التوبة ، فيكون له أوفر حظ من اسمي العفو الغفور ، وقد يستكبر عن الطاعة والايمان ، ويصر على الفسوق والعصيان ، فيكون موضعا لعقاب الحكم العدل ، وآية فيه على تنزهه تعالى عن الجور والظلم ولا نعرف نوعا من أنواع الخلق مفطورا على الباطل والشر ، مجبورا على الفسق والكفر ، فهو غير موجود على أنه لو وجد لما صح أن يعترض به العبد المربوب على الرب المعبود ، وهذه الآيات المبينة لمعصية إبليس - وهو شر أفراد هذا النوع المسمى بالجن - تدل على أنه كان مختارا في عصيانه بانيا إياه على شبهة احتج بها عليه ، وكذلك خلق اللّه نوعه فكانوا كالبشر منهم المؤمن والكافر ، والبر والفاجر ، كما يعلم من السورة التي سميت باسمهم ( الجن ) قال تعالى ( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) الفسق الخروج من الشيء فهو يدل على أنه كان قبل ذلك يطيعه ويعبده كما يدل عليه وجوده مع الملائكة ، وعقوبته باخراجه منهم بعد المعصية . وقد عصى آدم ربه بعد عصيان إبليس ، وكان الفرق بينهما أن آدم تاب إلى ربه فتاب عليه وهداه واجتباه ، وجعله موضع مغفرته ورحمته ، وأن إبليس أصر على عصيانه واحتج على ربه فلعنه وأخزاه ، وجعله موضع عدله في عقابه ، وقص قصصهما على المكلفين من ذريتهما بما أظهر حقيقة النوعين ، ومآل العملين ، عبرة للمعتبرين وموعظة للمتقين ، وابتلاء ( اختبارا ) للعالمين ، يميز اللّه به المحسنين والمسيئين ، ويزيّل بين الطيبين والخبيثين ، إذ كان من سننه فيهما أن الحياة جهاد ، يظهر به ما أودع في النفوس من الاستعداد ، وأن من حكم تفاوت البشر فيه أن يكون منهم العالم والجاهل ، والحكيم والحاكم ، والمسوس والسائس ، والقائد والجندي ، والمخدوم والخادم ، والزارع والصانع ، والتاجر والعامل ، فلو لا العمال - مثلا - لما اتسعت مسائل العلوم بالاعمال ، ولما أمكن الانتفاع بما كشف العلماء من أسرار الطبيعة وخواص المخلوقات ، ولولا ذلك لما عرفت نعم الخالق وسننه ودقائق علمه وحكمته في الأشياء ، وغير ذلك من معاني الصفات ومظاهر الأسماء ، وموجبات الحمد والشكر والثناء وجملة القول أن كل ما خلقه اللّه تعالى فهو حسن في نفسه ، متقن في صنعه ، مظهر لنوع أو أنواع من حكمه في خلقه ، ومن كماله في ذاته وصفاته ، ولا