الشيخ محمد رشيد رضا

342

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

شيء منه بباطل ولا بشر محض ( 15 : 75 وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ ) ( 38 : 26 وَما خَلَقْنَا السماوات وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ) وإذا كان من حكمته تعالى فيما ذكر من معصيتي أبوي الانس والجن ظهور استعدادهما واظهار حكمه تعالى في الجزاء على الذنوب في حالي التوبة منها والاصرار عليها ، والعبرة والموعظة ، وحسن الأسوة ، وسوء القدوة ، والابتلاء والجهاد وغيره مما بينا - وإذا كانت معصية الأول بسبب وسوسة الآخر - فلا خفاء في استمرار ذلك في ذريتهما ، لأنه من مقتضى فطرة نوعيهما ، التي هي مظهر أسماء اللّه وصفاته فيهما ، فجنس الجن أو الجنة الغيبي الروحاني نوعان أو صنفان : صنف ملكي يلابس بعضه أرواح البشر الميالة إلى الحق والخير فتقوى داعيتهما فيها ، وصنف شيطاني يلابس أرواح البشر الميالة إلى الباطل والشر فتقوى داعيتهما فيها ، كما بينه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بقوله « إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة ، فأما لمة الشيطان فايعاد بالشر وتكذيب بالحق ، وأما لمة الملك فايعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من اللّه فليحمد اللّه على ذلك ، ومن وجد الأخرى فليتعوذ باللّه من الشيطان » ثم أ ( الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ) الآية - رواه الترمذي وقال حسن غريب والنسائي وابن حبان والبيهقي في الشعب ورواة التفسير المأثور من حديث ابن مسعود - ومثل اتصال نوعي الجنة الروحية بروح الانسان كل بما يناسب طبعه - كمثل اتصال نوعي الجنة المادية بجسده وتأثيرها فيه بحسب استعداده ، وهي ما يسميه الأطباء بالميكروبات وسماها بعض الأدباء النقاعيات ، فان منها جنة الأمراض والأوبئة التي تؤثر في الجسم القابل لها بضعفه ، والميكروبات التي تقوى بها الصحة كما بيناه من قبل قال الراغب في مفرداته : والجن يقال على وجهين ( أحدهما ) للروحانيين المستترة عن الحواس كلها بإزاء الانس فعلى هذا تدخل فيه الملائكة والشياطين فكل ملائكة جن وليس كل جن ملائكة ، وعلى هذا قال أبو صالح الملائكة كلها جن وقيل بل الجن بعض الروحانيين ، وذلك أن الروحانيين ثلاثة : أخيار وهم الملائكة وأشرار وهم الشياطين وأوساط فيهم أخيار وأشرار وهم الجن . ويدل على ذلك قوله تعالى ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ ) إلى قوله عز وجل ( وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ ) والجنة جماعة الجن اه وأقول إن هذا لا يخالف ما ذكر قبله من وحدة الجنس