الشيخ محمد رشيد رضا

338

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

روي عن ابن عباس ( رض ) في تفسير الأربع قال : « ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ » قال : أشككهم في آخرتهم « وَمِنْ خَلْفِهِمْ » فارغبهم في دنياهم « وَعَنْ أَيْمانِهِمْ » أشبه عليه أمر دينهم « وَعَنْ شَمائِلِهِمْ » استن لهم المعاصي « وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ » قال موحدين . فسر الشكر بأصل أصوله ومنبت جميع فروعه وهو توحيد الربوبية والألوهية الذي هو منتهى الكمال في معرفته تعالى ، وفي رواية أخرى عنه : من بين أيديهم - من قبل الدنيا ، ومن خلفهم - من قبل الآخرة وعن أيمانهم - من قبل حسناتهم ، وعن شمائلهم - من جهة سيئاتهم وهي إنما تخالف الأولى في تفسير ما بين الأيدي والخلف ، مخالفة تناقض في اللفظ ، والمراد واحد ، وهو هل المراد فيما بين الأيدي ما هو حاضر أم ما هو مستقبل ، وهل المراد بالخلف ما يتركه المرء ويتخلف عنه وهو الدنيا أم ما هو وراء حياته الحاضرة وهو الآخرة ؟ اللفظ يحتمل التأويلين ، وعنه لم يستطع أن يقول من فوقهم - علم أن اللّه فوقهم ، وفي لفظ لان الرحمة تنزل من فوقهم ، وعن مجاهد وقتادة ما هو بمعنى ما ذكر مع تفصيل ما كما في الدر المنثور وهما من تلاميذه ( رض ) والفوقية معنويا كغيرها ، واثبات العلو والفوقية للّه تعالى تنطق به الآيات والأحاديث الصحيحة ومن صفاته ( العلي ) فنؤمن به مع تنزيهه تعالى عما لا يليق به من صفات خلقه جميع وقد شرحناه من قبل بما أثبتنا به مذهب السلف فيه ، وفي رواية عن مجاهد من بين أيديهم وعن أيمانهم من حيث يبصرون ، ومن خلفهم وعن شمائلهم حيث لا يبصرون ، وحاصل المعنى كما قال ابن جرير جميع طرق الخير والشر فالخير يصد عنه والشر يحسنه لهم ، وروى أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم من حديث ابن عمر قال : لم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدع هؤلاء الدعوات « اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بك أن اغتال من تحتي » * * * قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً يقال ذأم المتاع ( من باب فتح ) وذاء بالتخفيف يذيمه ذيما وذاما ( بالقلب ) إذا عابه وذمه . ويقال دحر الجند العدو إن طرده وأبعده - فهو بمعنى اللعن وبذلك ورد التفسير المأثور للفظين والام الأول بالخروج قد ذكر لبيان سببه وهذا لبيان صفته ، والمعنى اخرج من الجنة أو المنزلة التي أنت فيها حال كونك معيبا مذموما من اللّه وملائكته مطرودا من جنته فهو بمعنى لعنه وجعله رجيما في آيات أخرى لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ