الشيخ محمد رشيد رضا

339

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

صار حقيقة شرعية . وهذا التفسير أظهر من حيث اللغة وهو يصدق بخلق آدم وبخلق مجموع الناس فان كل فرد من الافراد يقدر اللّه خلقه ثم يصور المادة التي يخلقه منها في بطن أمه . وقد اختلفت الروايات عن مفسري السلف في الجملتين فعن ابن عباس ثلاث روايات ( إحداها ) ورواتها كثيرون وصححها بعضهم على شرط الشيخين قال فيهما : خلقوا في أصلاب الرجال وصوروا في أرحام النساء ( والثانية ) خلقوا في ظهر آدم ثم صوروا في الارحام أخرجها الفريابي ( والثالثة ) قال : اما خلقناكم فآدم واما ثم صورناكم فذريته . أخرجها ابن جرير وابن أبي حاتم . وروي عن قتادة نحوها قال : خلق اللّه آدم من طين ثم صوركم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم كسا العظام لحما . وعن مجاهد خلقناكم يعني آدم ، ثم صورناكم يعني في ظهر آدم . وعن الكلبي قال خلق الانسان في الرحم ثم صوره فشق سمعه وبصره وأصابعه اه ملخصا من الدر المنثور . والتقدير الذي ذكرناه أولا هو الموافق لما عليه الجمهور . والانسان الأول عندنا وعند أهل الكتاب والهندوس آدم عليه السّلام ولذلك قال : ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ أي قلنا ذلك بعد أن سويناه ونفخنا فيه من روحنا ، ما جعلناه به خليفة في الأرض وعلمناه الأسماء كلها ، كما تقدم تفصيله في سورة البة . فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ أي لم يكن من جملتهم لأنه أبى واستكبر وفسق عن أمر ربه . وهو من الجن لا منهم . وإن كانت الجن نوعا من جنسهم ، أو الجنة ( بالكسر ) جنسا للملائكة وللشياطين الذين هم مردة الجن وأشقياؤهم . وهذا السجود تكريم من اللّه لآدم لا سجود عبادة إذ نص الآن القطعي قد تكرر بأنه لا يعبد إلا اللّه وحده ، أو هو بيان لاستعداد آدم وذريته وما صرفهم اللّه تعالى به من قوى الأرض التي تدبرها الملائكة بأسلوب التمثيل القصصي ، والامر فيه وفيما بعده تكويني قدري ، لا تكليفي شرعي ، فهو كقوله في خلق السماوات والأرض ( فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) وسيأتي توضيحه في أثناء القصة وفي نهايتها إن شاء اللّه تعالى - وقد روي عن ابن عباس ان هذا السجود كرامة كرم اللّه بها آدم وقال كانت السجدة لآدم والطاعة للّه ومثله عن قتادة ، وزاد أن إبليس حسد آدم على هذا التكريم . والدليل على أنه تكريم امتحن اللّه تعالى به طاعة ذلك العالم الغيبي له فظهرت عصمة