الشيخ محمد رشيد رضا

315

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ بينا في تفسير الآيتين اللتين قبل هذه الآيات : انهما بدء للانذار - بعد بيان أصل الدعوة إلى الاسلام - بالتذكير بعذاب الأمم التي عاندت الرسل في الدنيا ، وهذه الآيات تذكير بعذابهم في الآخرة - قفى به على تخويف قوم الرسول من مثل ذلك العذاب العاجل ، بتخويفهم مما يعقبه من العذاب الآجل ، وهو الحساب والجزاء في الآخرة . * * * ( فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) عطف هذا على ما قبله بالفاء لأنه يعقبه ويجيء بعده إذ كان ذلك العذاب المعبر عنه بالبأس آخر أمرهم في الدنيا وقيل إن الفاء هنا هي التي يسمونها الفصيحة وقد اكد الخبر بلام القسم ونون التوكيد لان المخاطبين من العرب في أول الدعوة كانوا ينكرون البعث والجزاء ، ولتأكيد الخبر تأثير في الأنفس ولا سيما خبر المشهور بالأمانة والصدق كالنبي ( ص ) فقد كانوا يلقبونه قبل البعثة بالأمين والمراد بالذين أرسل إليهم جميع الأمم التي بلغتها دعوة الرسل : يسأل تعالى كل فرد منهم في الآخرة عن رسوله اليه وعن تبليغه لآياته وبماذا أجابوهم وما عملوا من ايمان وكفر ، وخير وشر ، ويسأل المرسلين عن التبليغ منهم ، والإجابة من أقوامهم بين هذا الاجمال في آيات منها قوله تعالى في سورة الأنعام ( 6 : 126 يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا ) وفي سورة القصص ( 28 : 56 وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ) وفي سورة العنكبوت ( 29 : 12 وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ ) ومثله في سورة النحل ( 16 : 56 وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ) وهو ما ابتدعوه في الدين كجعلهم لمعبوداتهم نصيبا مما رزقوا من الحرث والانعام ، يتبون إليهم بها بنذر أو غيره ويتبون بهم إلى اللّه كما تقدم في سورة الأنعام ومنه ما ينذره القبوريون لأوليائهم ، وأعم منه قوله تعالى في النحل أيضا ( وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) وهو خطاب لجميع الناس ومثله في التأكيد والعموم قوله في سورة الحجر ( 15 : 9 فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ) ومنه في السؤال عن المشاعر الظاهرة والباطنة ( 17 : 36 إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا ) وقال تعالى في سؤال الرسل ( 5 : 112 يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا