الشيخ محمد رشيد رضا

314

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من ساسه الظلم بسوط بأسه * هان عليه الذل من حيث أتى ومن يهن هان عليه قومه * وعرضه ودينه الذي ارتضى وقد تنض بما يعقبه الفسق والذل من قلة النسل ولا سيما فشو الزنا والسكر ، أو تبقى منها بقية مدغمة في الكثرة الغالبة لا أثر لها تعد به أمة . وقد تتوالى عليها العقوبات حتى تضيق بها ذرعا فتبحث عن أسبابها ، فلا تجدها بعد طول البحث إلا في أنفسها ، وتعلم صدق قوله تعالى ( وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) ثم تبحث عن العلاج فتجده في قوله تعالى ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) وانما يكون التغيير بالتوبة النصوح ، والعمل الذي تصلح به القلوب فتصلح الأمور ، كما قال العباس عم الرسول ( ص ) إذ توسل به عمر والصحابة بتقديمه لصلاة الاستسقاء بهم : اللهم انه لم ينزل بلاء إلا بذنب ، ولم يرفع إلا بتوبة . خلافا للحشوية الذين يستدلون به على أن البلاء انما يرتفع كرامة للصالحين الذين يتوسل بهم المذنبون المفسدون . ومتى علمت الأمة داءها وعلاجه فلا تعدم الوسائل له فلينظر القارئ أين مكان الشعوب الاسلامية من هذه العبرة ، والشعور بعقوبة الجناية والحاجة إلى علاج التوبة ، وقد ثلت عروشها ، وخوت صروح عظمتها على عروشها ، وكانت أجدر الشعوب بمعرفة سنن اللّه في هلاك الأمم واتقائها ، وأسباب حفظ الدول وبقائها ، فقد أرشدها اليه الآن ، ولكن أين هي من هداية الآن ، وقد ترك تذكيرها به العلماء ، فهجره الدهماء ، وجهل أحكامه وحكمه الملوك والامراء ، ثم نبتت فيها نابتة لا تدري ما الكتاب ولا الايمان أقنعهم أساتذتهم أعداء الاسلام ، بأن لا سبب لهبوطها وسقوطها الا اتباع الآن ، فأضلوهم السبيل ، ولفتوهم عن الدليل ، فذنب هؤلاء أنهم يجهلونه ، وذنب أولئك أنهم لا يقيمونه ، هؤلاء مقلدة للأجانب الطامعين الخادعين ، وأولئك مقلدة لشيوخ الحشوية الجامدين ، فمتى تنتشر دعوة المصلحين أولي الاستقلال ، فتجمع الكلمة بما أوتيت من الحكمة والاعتدال ، على قول الكبير المتعال ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ، وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ ) * * * ( 5 ) فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ( 6 ) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ ( 7 ) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 8 ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ